لأن الهوية الوطنية اللبنانية في خطر

د. قصي الحسين |

أنا، فعلاً، من الجيل الذي تأثر بما وقع في لبنان في العام 1958، عندما كنت في العاشرة من عمري.

شهدتُ على الثوار ينزلون من أعلى الجبل، كسطرٍ من العسكر، وبنادقهم على أكتافهم، باتجاه مخفر البلدة، فينسحب عناصره قبيل وصولهم بقليل، ويحرّكون الجيب، آليّتهم الوحيدة، ومعهم بنادقهم، ويغادرون دون "تسلّم وتسليم".

كان لدي انطباع بأن وطناً جديداً، عالماً جديداً، دولةً جديدة هي التي تولد يوم ذاك، مع إغراء الثورة التي أشعلت حماسة الشباب.

وتعلّقي بالثورة اليوم إنما يعود إلى تلك المرحلة. إذ بخواتيمها انتُخب فؤاد شهاب رئيساً للجمهورية. فهلّل له اللبنانيون من رأس الناقورة حتى النهر الكبير الجنوبي. وزغردت له النساء في العاصمة بيروت. وفي البلدات والقرى؛ فانصرف الرئيس، ومنذ اليوم الأول، لورشة الإصلاح، والتأسيس، والبناء.

لقد بدا، فجأةً، انخراط شعب لبنان العريق في ممارسة بناء الدولة أمراً جاذباً. وكان الأمر كما لو أنه فرض على العالم، فجأة، رؤيةً جديدة. وكثيرٌ من جيل الشباب استهوتهم البرامج والمناهج التي أتى بها العهد الشهابي؛ وهم لا زالوا حتى اليوم يتحدثون عنها، حتى لتكاد تجفّ حلوقهم، وتبرى ألسنتهم.

وكان الناس متحمسين جداً، ومنبهرين جداً، ومنجذبين جداً، لرؤية المدرسة في كل ناحيةٍ مهما نأت. ولرؤية الجامعة اللبنانية الوطنية، صرحاً يشقّ طريقه إلى نفوس الشباب والصبايا. ولرؤية الطريق تصل إلى جميع الحدود، وتلفّ وطنهم لبنان لفاً؛ ولرؤية المستشفيات الحكومية تنهض في المدن والدساكر والأقاصي. ولرؤية التفتيش المركزي يدقّق في الكبيرة والصغيرة، ولرؤية مجلس الخدمة المدنية وهو يعلن على بابه المتواضع في فردان، طلبات الشغور في الوظائف العامة، فيربح الجدير بكفاءته. فقط بكفاءته، دون سواها.

ونشطت المحاكم، وتقدّمت المخافر، وبُنيت قصور العدل والسرايات. وباشرت النيابات العامة الإعلان عن الاستدعاءات، وتدوين الاستنابات، من دون تتأثر بهذا السياسي، ولا بزعماء السياسة. فلا يجرؤ أحد على شاطئ. ولا يتجرأ أحد على مشاعٍ، أو واد، أو نهرٍ، أو طريق، أو سكة حديد.

إن لبنان اليوم أمام مشهديةٍ جديدة باكيةٍ تدمى لها القلوب، وتتكرر تجربته بعد نصف قرن ونيف. وشبابه اليوم أكثر انفتاحاً، وأكثر تفتحاً، وبإمكانهم الحديث عن كل شيء. وبإمكانهم التواصل مع مَن كان في اللحظة التي يريدون. وبإمكانهم رؤية أي شيء.

وإحياء ذكرى هذة الثورة تهمُّ الشباب. وهم يعرفون أنها حصلت، وليس هناك معنى لإنكار وقوعها. 

وما يهمهم من ثورتهم البيضاء اليوم أن تأتي بنتائج تلبي، على غرار الثورة السابقة، مطالبهم المشروعة، والتي لم تعد خافية على أحد:

وقف الهدر، وإعادة المال العام المنهوب من خزائن وصناديق الدولة. واستعادة هذه الدولة لأملاكها العامة، ومحاسبة لصوص الهيكل، واحتجازهم قبل أن يهربوا من البلاد؛ وتفعيل القطاعات الإنتاجية العامة، وتوفير الطاقة والماء وقطاعات النقل العام، وشق الطرقات، وتوفير فرص العمل.

إن آباء هؤلاء الشباب الذين هم اليوم في الساحات، والذين أتحدّث عنهم وقد بُحّت حناجرهم، وما تكأكأوا، وماتلكأوا وما تنحنحوا، منذ فجر 17/10/2019 وحتى اليوم، ليسوا بورجوازيين، بل هم من الفقراء المساكين ممن "ليس على صدورهم قميص". ولذلك من الصعب هزيمتهم.

فقد وجدوا أن العالم يتقدم، وأن وطنهم يتأخر. وأنهم يتوقون إلى العيش في وطنٍ حرٍ كريم، بسببٍ من غلبة روحهم، وعظمة نفوسهم، وكبرياء وعزة وطنهم.

فلماذا لا تكون الفرصة أمامهم في بلادهم، لا في الجامعات، ولا في المجتمعات الغربية؟

هؤلاء الشباب والصبايا يدعون لبناء فضاءٍ ثقافي جديد يليق بكرامتهم. فضاء يسعهم في وطنهم لبنان، بدل تحقيقه عبر الهجرة إلى أي مكان.
 وأما أفكارهم فهي أكثر حداثة وقوة من أفكار آبائهم. وإرادتهم أشد مضاءً وعزيمة وثقة لتحقيق ما يأملون.

وقد ملأوا الساحات، من أقصى وطنهم إلى أقصاه، ليقلبوا بطباشيرهم البيضاء المعادلة الحزينة السوداء. وها هم يسطّرون على الجدران: الشعب أولا، ثم الوطن، وأخيرا الرئيس.  شباب وصبايا لبنان اليوم يختلفون عن جيل شبابنا، وشباب آبائهم وآبائنا. فحريّتهم حرية حواس أكثر مما هي حرية فكر وتنظير. وهم يريدون تحقيق المطالب بالمحسوس الملموس.

وقد هبّوا جميعاً، كما نراهم تحت المطر، وتحت الليل، وتحت الكاميرات، وتحت القمر، وتحت الأقمار الاصطناعية، حين شعروا أن هويتهم الوطنية اللبنانية في خطر. فلماذا لا نلاقيهم في منتصف الطريق حيث يفترشون، بما يُجمع عليه اللبنانيون: بحكومةٍ مستقلة. وبمجلسٍ نيابي لبناني خارج القيد الطائفي. وبإداراتٍ ومحاكم جديدة، وشريفة، ومستقلة، ونزيهة، يشهد لها العالم بالكفاءة والحيادية والإرادة الفولاذية التي لا تلين.

 لمَ لا. نعم، لمَ لا!