مُميزات الحِراك اللبناني

الانتفاضة الشعبية العارمة أو «ثورة أكتوبر» التي شهدها لبنان؛ تحمل خصائص ومُميزات كثيرة من حيث شكل المشاركة فيها، ومن حيث مضمون الشعارات والمطالب التي رفعتها، ومن حيث توقيتها، وما رافقها من مواقف.

من حيث المُميزات الشكلية، يمكن تسجيل مجموعة من الفرائد السياسية التي تشكِّل جديداً لا يمكن الاستهانة به، ذلك أن شمول المشاركة الشعبية في المظاهرات لكل المناطق اللبنانية من دون استثناء سابقة تاريخية تبعثُ على التفاؤل، لأن التركيبة الديموغرافية المتنوعة للمجتمع اللبناني كانت على الدوام عائقاً في وجه أي تغيير، ولأن الميثالوجيا الشخصية لأغلبية المواطنين اللبنانيين تأسر بعض الطموحات التغييرية، لأنها مسكونة بعوامل خوف من الآخر، على خلفية الانتماءات الدينية والمذهبية المتعددة لهؤلاء، ولأن تجارب سابقة أسهمت في ترسيخ ثقافة الخوف من الآخر، بسبب التجاوزات التي حصلت إبان الحروب اللبنانية، وبسبب اعتماد جزء كبير من الطبقة السياسية اللبنانية على تعميم ثقافة الخوف من التغيير، بهدف استمرار احتكار هؤلاء لتمثيل الطوائف في دوائر الدولة ومؤسساتها، وفقاً لما يسمح به الدستور اللبناني في مقدمته وفي المادة 95 منه.

ومن حيث المميزات الجوهرية؛ فقد تجاوز المتظاهرون كل المحظورات السياسية والعقائدية، وحطَّموا جدار الخوف الذي كان يمنعهم من انتقاد مرجعيات سياسية ودينية، وكذلك مرجعيات رئاسية يعاقب القانون على التعرض لها، إذ كان هذا التعرُّض في الأمس القريب ينتج عنه تهديد أمني شخصي، أو تهديد الاستقرار، أو يؤدي بالمتعرِّض إلى السجن، كما حصل مؤخراً.

وهناك جانب مهم رافق الانتفاضة اللبنانية؛ وهو إثبات قاطع لوحدة الشعب العربي اللبناني بكل طوائفه ومناطقه، كما ظهرت إلى العلن العورات التي تعتري العمل الحزبي عند مختلف الأحزاب، باستثناء قلة منها جاهدت لإثبات ذاتها التنظيمية والعقائدية من خلال تقديم برامج مطلبية وسياسية، ولكن مجرى الرياح عاكست جزءاً كبيراً من محاولاتها.

وفي الانتفاضة الشعبية اللبنانية انقلاب واضح على المنهجية المسيطرة على مفاصل الحكم في لبنان، ورفض شعبي مطلق للمقاربات التي كادت تكون ثوابت راسخة لا يمكن زحزحتها، في مختلف الميادين؛ الاجتماعية والسياسية والأمنية والمعيشية. وهذه المقاربات كانت سبباً رئيسياً للثورة، لأن الجمهور اللبناني المُتعلِّم والمثقَّف يرفض العيش في كنف نموذج طائفي واهٍ سبقه الزمن وفي كنف قيادات سياسية طائفية تقليدية تتوارث السلطة - أولاً، ويرفض الانتماء إلى المحاور السياسية - ثانياً، ويرفض نموذج الاستبداد الذي ظهر عند الطبقة الحاكمة في السنوات الأخيرة - ثالثاً، ويرفض رهن لبنان الدائم لمصالح خارجية، ولا سيما في سياق مواجهته الدائمة للعدوان «الإسرائيلي» - رابعاً، ويرفض إعادة الاعتماد على قوى مسلحة أو قوى خارجية لتعيين مسؤولي السلطة من رأس الهرم ونزولاً - خامساً، ويرفض هذا الجمهور المقاربات الاقتصادية والمعيشية التي يعتمدها النافذون في الدولة، والتي تتناسب مع مصالحهم أكثر من مراعاتها لمصالح الشعب الذي يشكو من فقرٍ مدقع، ومن بطالة مُخيفة.

سيكون للانتفاضة اللبنانية تأثيراتها الواسعة في الداخل وفي الخارج، وهي محط أنظار العديد من الدول والقوى، كما أنها محط أنظار شعوب أُخرى. وهي بمسارها ونتائجها مؤثرة في الخريطة السياسية الإقليمية، وستكون لوحة زاهية في معرض إعادة رسم الصورة الشاملة للمشهد الإقليمي المُهدَّد من «الانفلاشات» الجائرة لدول إقليمية كبرى محيطة بالواقع العربي، ولا سيما تركيا وإيران المتماديتين في تهميش الحضور العربي.

بطبيعة الحال؛ فإن الانتفاضة اللبنانية التي انطلقت شرارتها من الضائقة الاقتصادية الخانقة التي يعيشها اللبنانيون، ستتمدَّد بتأثيراتها إلى سياقاتٍ أخرى، ومنها عدم السماح مُجدداً ولأي كان في صناعة كل - أو جزء - من الطبقة الحاكمة بالفوقية الأمنية، أو من خلال التأثيرات الخارجية السافرة.

مع كل ذلك؛ هناك حالة من الخوف والقلق تُعبر عنها فئات واسعة من المثقفين اللبنانيين من محاولات الاستغلال لهذه الانتفاضة العارمة، لأن بعض الذين يحاولون تقدُّم الصفوف تدور حولهم علامات الاستفهام من حيث الشكوك في صدقيتهم ونزاهتهم.