قراءة "تقدمية" هادئة للتطورات اللبنانية

الأنباء |

يمرّ لبنان اليوم في ظروف استثنائية دقيقةٍ جداً، وتحدياتٍ كبرى، ولربما هي الأكثر خطورة في تاريخه، ولذا نؤكد عدم الانجراف وراء العواطف، والتعاطي بمنتهى العقلانية والمسؤولية حيال كل ما يجري. 

يقدّر الحزب حركة الناس البريئة العفوية، والخالية من أي ارتهان، ويحذّر من التعاطي معهم بطريقة خاطئة، بل يؤكّد على التعاطي مع هذه الحركة بإيجابية، وعدم التشكيك أو التخوين، وعلى حق الناس في التعبير الحر. كما يؤكّد على الدفاع عن مطالبهم، فهذا نهجنا، وهذا تاريخنا، وهذه مسيرتنا.

يحترم الحزب آراء الناس التي تدعوه إلى الانسحاب من الحكومة. ولكن من حقّه تقرير موقفه من ذلك، والمبني على المعطيات الدقيقة المتوفرة لديه، والتي لا تتضح أو تظهر للعموم، والمبني أيضاً على الوكالة التي نالها من الناس في الانتخابات النيابية، والتي هي بمثابة أمانة في عنقه. 

يرفض الحزب بعض الشعارات العاطفية غير الموضوعية التي تساوي بين جميع القوى السياسية على الساحة اللبنانية (كلن يعني كلن)، والتي تتعمد تشويه الحقائق، والقراءة الخاطئة للتاريخ، وذلك لأن الحزب ومسيرته من تاريخ تأسيسه حتى اليوم هو حزب المحطات النضالية والتاريخية الكبرى، والتي لا يستطيع أن يتجاوزها أحد، أو يتعاطى معها باستخفاف، سواءً في الدفاع عن الحريات وعن الصحافة الحرة، والحق في تشكيل الأحزاب والحركات السياسية، من ثورة 1952 التي أسقطت بشارة الخوري ومنظومة الفساد التي كانت الى جانبه، والشبيهة بمنظومة الفساد في هذا العهد، وصولاً إلى ثورة 1958 التي أسقطت كميل شمعون، وثبّتت عروبة لبنان ومنعت ارتهانه لحلف بغداد الذي كانت تقوده بريطانيا آنذاك ضد عبد الناصر، وتقديمه مشروعاً إصلاحياً للنظام السياسي في لبنان يجعل منه وطن الحرية والعدالة والمساواة، ووطناً لكل اللبنانيين على اختلاف ميولهم ومشاربهم، والدفاع عن سيادة لبنان وحقه في تقرير مصيره. وعلى هذا الأساس واجهنا التدخل السوري في سياسة لبنان في العام 1975-1976، وأصرّينا على حق لبنان في تقرير مصيره، وواجهنا تدخّله العسكري على الأرض بما أوتينا من إمكانيات آنذاك، ودفعنا الثمن غالياً وغالياً جداً. وكان استشهاد المعلم كمال جنبلاط في 16 أذار 1977. وقاد الحزب الحركة الوطنية في العام 1982، والتي ضمّت عدداً من الأحزاب والحركات اللبنانية والفلسطينية، وواجهنا الاحتلال الإسرائيلي، وأسقطنا مشروعه، وأكّدنا من جديد عروبة لبنان، ووجهه وانتمائه العروبي. 

ولما جاء اتفاق الطائف الذي اعتبرناه مدخلاً لوقف الاقتتال الداخلي بين أبناء الوطن الواحد، والذي لم يكن ليرضينا، نحن الحزب الذي قدّم آلاف الشهداء في سبيل وطنٍ ديمقراطي تسوده العدالة الاجتماعية، والمساواة، وليس لتسويةٍ طائفيةٍ جديدة. ارتضينا هذا الاتفاق على مضض بعد التدخل الإقليمي والدولي، وفي ظل قناعةٍ راسخة بضرورة وقف الاقتتال الداخلي. وخضنا عملية بناء الدولة، وتولينا مسؤولية إعادة كل مهجّرٍ الى بيته إيماناً منا بالحق الطبيعي الذي يكفله الدستور، وتتوّجه قيمنا الأخلاقية. 

ولا زلنا منذ اتفاق الطائف حتى اليوم نخوض النضال تلو النضال، والمعركة تلو المعركة، ولم نُذعن يوماً لإملاءات أحد، ولم يخيفنا أحد، ولم يرهبنا أحد. وواجهنا السوري آنذاك وترشيحه إميل لحود لرئاسة الجمهورية، ولم نصوّت له، وعدنا ورفضنا التمديد. ونذكّر بما عُرف آنذاك بلائحة الشرف، وتعرّضنا للتخوين، واتُّهمنا بالعمالة وهُدر دمنا، وواجهنا وصمدنا. وتعرّضنا للتهديد والقتل، وكانت محاولة اغتيال مروان حماده، واغتيال الرئيس رفيق الحريري وما تلاها من عمليات اغتيال لقيادات ثورة الأرز؛ فوقفنا ولم نجزع ووقف إلى جانبنا الشعب، وتحدّينا الوجود السوري، وواجهناه حتى أخرجناه رغماً عنه، ورغماً عن قوى داخلية وإقليمية كبرى وفي ظل ظروف داخلية ودولية، وفي لحظاتٍ مصيرية حاسمة، والتي كان أهمها، "دماء الرئيس الشهيد رفيق الحريري". وكان لنا شرف تحرير لبنان. "نعم نحن لا ينطبق علينا هذا الشعار فلم نلتهي يوماً في مسيرتنا في مواجهة السرقة وهدر المال العام".

وتسلمنا بعد ذلك عدة وزارات وكنا حزبا اصلاحيا بامتياز، ولا داعي للتذكير بإنجازاتنا في وزارات الاعلام والاشغال العامة والنقل والثقافة والشؤون الاجتماعية والصحة والتربية الوطنية والزراعة والصناعة.

وبعد التعطيل الذي استمرّ مدة سنتين ونصف، ولم نكن نحن من عطّل وسبّب أكلافاً عالية وفساداً لا يطاق، وتفلتاً لا يوصف، جاءت التسوية البائسة التي قضت بوصول ميشال عون إلى رئاسة الجمهورية. وافقنا على مضض، وذلك للخروج من التعطيل، وانتظام عمل المؤسّسات، واحتراماً لرأي الشريحة الكبيرة التي اعتبرته خير ممثلٍ لها، فكانت النتيجة الخيبة، وسوء الإدارة، والتعاطي بحساسية مع مختلف الملفات التي على صلة بنا، وتغطية الخطاب الفاسد الذي تعمّده صهر العهد، ونبش القبور، والماضي الأليم الذي تجاوزناه بالمصالحة المشرّفة مع البطريرك صفير في العام 2001. وكان أيضاً تغطية السلاح غير الشرعي، كما نتج عن ذلك عجز عن الإصلاح وهدر في الوزارات التي تسلموها، وخاصةً الكهرباء والاتصالات. فتكلفة الكهرباء التي يديرونها منذ أكثر من عشر سنوات بلغت 47 مليار دولار من الدين العام. أضِف إلى ذلك صفقات البواخر والاستئثار بالسلطة والتعيينات، وزرع الأزلام والمحاسيب والمفسدين في كل الإدارات تحت شعار استعادة حقوق المسيحيين.

أما وقد نزلت الناس إلى الشارع، فإننا نؤكّد عدم تمسّك الحزب بالحكومة، أو بالسلطة، وأن المشكلة إنما تكمن في هذا النظام السياسي ومن يديره، ومن خلفه ويتحكّم في مفاصله. فماذا يجدينا الانسحاب من الحكومة وإسقاطها، وإفساح المجال أمام العهد وحاشيته بما يمثّل، ومن يمثّل، أن يعيثوا فساداً بتسلطهم وكيدهم ولا- أخلاقياتهم في ممارسة السلطة. نعم، إن معركتنا هي مع العهد وذهنية الإلغاء والإستئثار، وزرع الفتن، والخطاب الطائفي المقيت، والكيل بمكيالين، ومحاولة تدجين الحزب ورئيسه بدءاً من حادثة الشويفات إلى حادثة قبرشمون وما تخلّلهما من محاولات تضييق. وهنا لا بد من التذكير بموقفٍ كبير للرئيسين برّي والحريري اللذين رفضا إحالة حادثة قبرشمون على المجلس العدلي، وكان المطلوب آنذاك وضع حبل المشنقة حول رقبتنا، وتدجيننا لنتحول إلى أداةٍ طيعة في يدهم. فرفضنا الإذلال، وواجهنا، وصمدنا، وصمد حلفاؤنا إلى جانبنا، وخرجنا منتصرين بإسقاط محاولتهم النيل منا. وذهبنا بعدها إلى المصالحة، وفتح صفحةٍ جديدة في محاولة لتخفيف التوتر الداخلي. وكانت الخيبة من جديد مع سياسات الخداع والمكر والدهاء التي لا تنتهي، بحيث غدروا بنا، فسلّمنا الرفاق المطلوبين من جهتنا، وانقلبوا على الاتفاق ولم يسلموا أحداً. إنها سياسة المكر والدهاء والإنتقام التي نعيش معها اليوم فصلاً جديداً.

وها نحن اليوم نخوض الصراع منفردين بعد خروج حلفاءٍ لنا، وخرجوا وصوّبوا على الحكومة وحدها ولم يصوبوا على العهد، ولم يُدخلوا في حساباتهم إسقاط رئيس الجمهورية. فما النفع في ذلك، ولماذا إدخال مسألة أن هذا الموقع هو للموارنة ولا نقبل بإسقاطه؟ وهو الأمر الذي يدعونا إلى إعادة حساباتنا من جديد. وما يجري اليوم في لبنان موازٍ لما يجري في العراق. فإسقاط الحكومة، وإسقاط العهد هو إسقاط للسلاح الشرعي، وذهاب إلى الفوضى وتولي الفريق الأقوى والمسلّح السلطة والاستئثار بها، والدخول في المجهول على كافة المستويات أمنياً، واقتصادياً، واجتماعياً.

إن وزراء الحزب لم يصوتوا في مجلس الوزراء على أية ضرائب جديدة كما حاول الإعلام أن يصور ذلك، بل خضنا في تلك الجلسة نقاشاً حاداً وحقيقياً حول الإصلاح الضريبي والإداري، ولكننا لم نستطع أن نُحدث خرقا في ذلك. ولقد قدّمنا، ومنذ أكثر من عام، ورقةً اقتصادية للرئيس الحريري تتضمن جملة بنود إصلاحية، ولكن، وبكل أسف، لم يؤخذ بها. وقبل ذلك بسنتين، وقبل إقرار سلسلة الرتب والرواتب، قدّمنا أيضاً ورقةً إصلاحية من 14 بنداً لتغطية كلفة السلسلة، وتأمين مداخيل مالية كبيرة للدولة، وأيضاً تضمنت جملة إصلاحات ضريبية وإدارية، ولكن لم يؤخذ بها أيضاً.

وإننا إذ نذكّر بكل ذلك، فإنما لنؤكد رفضنا للشعار الرخيص الذي يضعنا في نفس الخانة مع غيرنا من الأحزاب الموجودة في السلطة، ولنقول إن قياديينا أناسٌ شرفاء لا ينطبق عليهم ما ينطبق على غيرهم. ونحن لا نتنصّل من مسؤوليتنا عن كل ما جرى ويجري، وإن كان من حساب فليكن، فنحن مستعدون.

 ولأننا لا، ولن، نتنصل من مسؤوليتنا، ولأننا لا نخاف أحداً، ولا يرهبنا أحد. لن نترك بيتنا يحترق، ولن نترك لبنان يؤخذ إلى حسابات إقليمية، أو دولية، وسنواجه بكل ما أوتينا من قوة في سبيل حفظ الوطن، وفي سبيل تأمين الخدمات للمواطنين من طبابة وتعليم وغيرهما معتمدين على الأمانة التي منحتنا إياها قاعدتنا الحزبية والشعبية، وسنواجه كل محاولات أسر لبنان، والتحكّم بمفاصل السياسة فيه.

ولذا نقول مهلاً أيها الرفاق والأنصار، فإننا مع القيادة الاستثنائية، المتمثّلة بشخص رئيس الحزب القائد وليد جنبلاط، والتي لم تخذلنا يوماً طيلة عهود. عبرنا محطات كثيرة، وواجهنا تحدياتٍ كبيرة، ووقفنا وواجهنا، وصمدنا، وانتصرنا، وكانت الظروف صعبة وقاسية جداً. وإن غداً سيكون كما الأمس تضحيات وانتصارات.

(*) مفوضية الثقافة