عن جنبلاط المتابع للتطورات: من العلاقات الدولية... إلى البرك الإصطناعية في الجبل!

صبحي الدبيسي |

بكثير من الانتباه والغضب، تابع اللبنانيون أخبار الفيضانات والكوارث التي خلّفتها العاصفة نورما التي ضربت لبنان في اليومين الماضيين، حيث ضاقت بها مجاري الأنهر بالمياه المتدفقة، ولم تحتمل السيل الجارف، فتحولت إلى بحيرات متحركة جرفت كل ما كان في طريقها من سيارات وعقارات، ومحال تجارية وبيوت سكنية وبساتين وحقول زراعية، في سابقة لم يشهد لبنان مثيلاً لها منذ عقود. وفيما ينشغل المسؤولون بتقاذف التهم ضد بعضهم البعض، بغية إيجاد "راجح" يمكن تحميله مسؤولية ما جرى، ثمة حقيقة تقتضي الجرأة الأدبية عدم السكوت عنها ولو كانت مُرّة. وهي أن في لبنان الكثير الكثير من السياسيين، والقليل القليل من رجالات الدولة. إذ لا يُعقل أن تحصل في بلد مثل لبنان الذي يتفاخر المسؤولون فيه بمحاربة الفساد، كل هذه الكوارث، ولا توجَّه التهم إلى أحد بالإهمال، أو بالتعدي على الأملاك العامة، وكأنهم جميعهم ملائكة. فلم يتم توقيف أحد مع الأسف ولو على ذمة التحقيق لحفظ ماء الوجه تجاه الرأي العام اللبناني والعربي. وكأن كل الأمور كانت طبيعية مئة بالمئة، إلى أن جاء غضب الطبيعة كأمر الموت وفعل ما فعله في بلد الإشعاع والنور. 

ما شهده لبنان في اليومين الماضيين شاهدنا ما هو أفضع منه في بعض الدول العربية، كالأردن والكويت والمملكة العربية السعودية. حكام هذه الدول اتخذوا قرارت جريئة ومسؤولة أدت إلى إقالة وزراء ومسؤولين مقصّرين من وظائفهم. أما في لبنان فالدولة اكتفت بإيفاد رئيس هيئة الإغاثة اللواء محمد خير لتقدير الأضرار وتهدئة الخواطر، على أمل اللقاء مع "تريسي" المتوقع وصولها بعد أيام، أو مع "نورما" أخرى وعلى المتضرّرين السلام.

ما جرى بالأمس أعادني بالذاكرة إلى منتصف الثمانينيات، يوم أنشأ رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط الإدارة المدنية في الجبل لتعنى بمشاكل القرى وتلبية إحتياجات الناس. فشُكّلت لهذه الغاية لجانٌ شعبية أخذت على عاتقها النهوض بتلك القرى عملاً بتوجيهاته. ومن حسن حظي أنني خضت هذه التجربة بعد أن انتُخبت مقرراً للجنة الشعبية في بلدتي مرستي. وأذكر جيداً عندما كنا نلتقي رئيس الحزب بحضور مدير الإدارة المدنية هشام نصر الدين، كان كل همه يتركز على البيئة والنظافة وضرورة المحافظة على الطبيعة، مشدداً على عدم السماح لأي كان بوضع الردميات في مجاري الأنهر والسواقي، وضرورة تنظيف الأقنية ومسارب المياه خاصة في فصل الشتاء، وعدم السماح بقطع الأشجار من الأملاك العامة إلى غيرها من القرارات المتعلقة بعدم تغيير المعالم الطبيعية، والإبقاء على خصوصية القرى مع لزوم تطويرها بما يتماشى مع طابعها القروي. وبعد الانتخابات البلدية في العام 1998 ارتأينا في المجلس البلدي أن ننشئ بركة لتجميع المياه مكان الكسارة التي كانت تشوّه الجبل إلى الشرق من البلدة، وبعد أن أشرف بنفسه بالكشف على المكان أبلغنا موافقته المبدئية، لكنه في اليوم التالي طلب منا صرف النظر عن هذا الموضوع مخافة أن تحصل تشققات في البركة وتتضرر البيوت السكنية المجاورة لها. 

من هذه الشواهد البسيطة يمكن أخذ العبرة عن رجالات الدولة الأصيلين أعزّهم الله. وما الفارق بينهم وبين حديثي النعمة في السياسة، فهولاء لا هم لهم سوى جني الأرباح، ولو على حساب كرامات الناس. من هنا يجب أن يعرف الجميع هذا السرّ الكامن وراء مبايعة أهل الجبل لزعيم قدوة، ورجل دولة لن يتكرر هو وليد جنبلاط...