الدروز بين الذاكرة وصناعة الهوية
03 أيلول 2026
19:27
Article Content
ليس تاريخ الدروز حكاية هوية ثابتة تعبر القرون من دون أن تتغير، بل هو تاريخ جماعة صغيرة اضطرت، في كل مرحلة، إلى إعادة تعريف موقعها بين الدين والمجتمع والدولة والجغرافيا. ومن هنا تأتي أهمية قراءة أعمال المؤرخ قيس ماضي فرو، ولا سيما كتابه «دروز في زمن الغفلة: من المحراث الفلسطيني إلى البندقية الإسرائيلية»، الصادر عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية عام 2019، إلى جانب دراسته الأوسع A History of the Druzes، المنشورة أول مرة عام 1992.
لا يتعامل فرو مع الدروز بوصفهم جماعة معزولة عن محيطها، ولا يفسر تحولاتهم السياسية بعامل ديني واحد. إنه يتتبع مسار الجماعة من خلال الأرض والهجرة والسلطة والاقتصاد والنخب والعلاقات مع القوى المحيطة. وفي كتابه التاريخي، ينتقل من بدايات الجماعة إلى استقرارها في لبنان وحوران، ثم يتوقف عند صراعات القرن التاسع عشر، والحرب الأهلية سنة 1860، والتحولات التي فرضها العثمانيون والانتداب، وصولًا إلى أثر الصراع الفلسطيني ـ الصهيوني في إعادة تشكيل موقع الدروز السياسي. وتؤكد بنية الكتاب نفسها أن المؤلف يريد قراءة التاريخ بوصفه سلسلة من التكيفات السياسية والاجتماعية، لا مجرد سرد للأحداث.
وتزداد أهمية هذه الرؤية في كتاب «دروز في زمن الغفلة»، حيث يركز فرو على تجربة الدروز الفلسطينيين بعد نشوء إسرائيل. ويبحث، اعتمادًا على وثائق وأرشيفات ومصادر أولية، في الطريقة التي تعاملت بها الدولة الجديدة مع الأقلية الدرزية، وكيف ساهمت السياسات الرسمية في دفع قسم من النخب نحو علاقة مختلفة مع الدولة ومع بقية العرب. ثم تأتي الخدمة العسكرية الإلزامية للرجال الدروز، وما رافقها من تحولات اجتماعية واقتصادية، بوصفها محطة أساسية في هذا المسار. وفي كتابه الآخر عن الدروز في الدولة اليهودية، يوسّع فرو البحث في العلاقة بين الدولة والنخبة الدرزية، وفي السياسات التي ساهمت في إنتاج مسافة سياسية بين جزء من الدروز وبقية العرب.
لكن قوة الكتاب لا تكمن فقط في وصف السياسة الإسرائيلية، بل في السؤال الأعمق الذي يطرحه: كيف يمكن للهوية أن تتغير عندما تتغير البيئة السياسية المحيطة بالجماعة؟ فالدين لا يختفي، والذاكرة لا تمحى، لكن معنى الانتماء السياسي يمكن أن يتبدل تحت ضغط الدولة والحرب والاقتصاد والمصلحة والخوف، وكذلك تحت تأثير النخب التي تتولى التفاوض باسم الجماعة.
وهنا تبرز إحدى أهم نقاط القوة في منهج فرو، وأحد حدوده في الوقت نفسه. فتركيزه على النخب والمؤسسات والسياسات الرسمية يسمح بفهم التحولات الكبرى، لكنه قد يجعل الحياة الاجتماعية والثقافية اليومية أقل حضورًا. فحين يتحدث التاريخ عن انتقال جماعة من موقع سياسي إلى آخر، لا يكفي أن نعرف ماذا قررت الدولة أو ماذا فعلت الزعامات؛ علينا أيضًا أن نسأل كيف استقبل الناس هذه التحولات في القرى والبيوت والمدارس والعلاقات الاجتماعية. وقد تكون المسافة بين موقف الزعيم وموقف المجتمع أكبر مما يوحي به السرد السياسي.
وهنا قد يتساءل قارئ آخر: هل يغيب البعد الاجتماعي والثقافي عن كتابة فرو إلى الحد الذي يجعلها تبدو أحيانًا تاريخًا للنخب أكثر من كونها تاريخًا للجماعة؟
لبنان: الطائفة بين الهوية والدولة
تبدو التجربة اللبنانية اختبارًا مهمًا لهذه الفكرة. فالدروز في لبنان لم يعيشوا المسار نفسه الذي عاشه دروز فلسطين، ولذلك لا يصح نقل نموذج فرو حرفيًا من بيئة إلى أخرى. لكن المقارنة تكشف شيئًا بالغ الأهمية: الهوية الدينية الواحدة قد تنتج أشكالًا سياسية مختلفة عندما تدخل في أنظمة دولية ومحلية متباينة.
في لبنان، دخلت الجماعة الدرزية، مع تحولات المتصرفية ثم الانتداب وقيام دولة لبنان الكبير، في إطار سياسي جديد جعل الطوائف جزءًا من بنية الدولة نفسها. لم تعد المسألة مجرد علاقة أقلية دينية بمحيط أكثرية، بل أصبحت الطائفة موقعًا سياسيًا له تمثيل ومصالح ونخب وشبكات نفوذ. ومن هنا أخذت السياسة اللبنانية تؤثر في تعريف الجماعة لذاتها، كما أثرت الجماعة في السياسة اللبنانية.
وتقدم أحداث 1860، ثم الحرب الأهلية اللبنانية وما بعدها، أمثلة واضحة على تعقيد هذه العلاقة. فقد ارتبط حضور الدروز، في مراحل مختلفة، بالأرض والزعامة المحلية والحماية والتحالفات، ثم تطور إلى أدوار سياسية وفكرية أوسع. وفي هذا السياق يبرز كمال جنبلاط بوصفه نموذجًا لمحاولة تجاوز الحدود الطائفية الضيقة، عبر ربط الانتماء الدرزي بمشروع لبناني وعربي واجتماعي أوسع.
لكن التاريخ اللبناني اللاحق أظهر أن تجاوز الطائفية لم يكن مسارًا خطيًا. فقد بقيت الزعامة السياسية مرتبطة، بدرجات مختلفة، بالبنية الطائفية وبشبكات العائلة والمصالح والتحالفات، وتبدلت مواقع القوى الدرزية وتوازناتها مع تغير الظروف اللبنانية والإقليمية. وهذا يعيدنا إلى الفكرة الأساسية عند فرو: الجماعة لا تتحرك في فراغ، بل تعيد صياغة موقعها كلما تبدلت الدولة والتحالفات وموازين القوة.
كما أن الجماعة نفسها لم تكن يومًا صوتًا واحدًا. فقد تعايشت داخلها نزعات سياسية متباينة، وتنافس بين عائلات وزعامات، واختلاف في قراءة العلاقة مع الدولة ومع المحيط العربي، كما اختلفت مواقف الأجيال والبيئات المحلية. ومن هنا فإن الحديث عن «الموقف الدرزي» بصيغة المفرد قد يكون مضللًا، لأن داخل الجماعة مواقف وتجارب وذاكرات متعددة.
ومن المفيد، في هذا السياق، ألا تُقرأ تجربة الدروز الفلسطينيين باعتبارها دليلًا على أن الجماعة تخلت عن انتمائها العربي، كما لا يجوز قراءة التجربة اللبنانية باعتبارها نموذجًا لانتصار الهوية الوطنية على الهوية الطائفية. الواقع أكثر تركيبًا. فقد تتعايش نزعة دينية محافظة مع انفتاح سياسي واسع، أو شعور بالخصوصية مع إحساس عميق بالانتماء إلى المحيط العربي. وهذه الازدواجية ليست بالضرورة تناقضًا، بل قد تكون إحدى سمات الأقليات التي عاشت طويلًا بين حماية الذات والمشاركة في المجال العام.
كما أن تجربة حوران، التي تحتل مساحة أساسية في تاريخ فرو، تذكّر بأن انتقال مركز الثقل الجغرافي للجماعة يمكن أن يغير بنيتها السياسية. فالهجرة ليست انتقالًا سكانيًا فحسب؛ إنها إعادة ترتيب للسلطة والاقتصاد والعلاقات الداخلية. ولهذا يصبح الجبل والقرية والحدود والدولة عناصر فاعلة في صناعة الذاكرة السياسية، لا مجرد خلفيات جغرافية. ويكشف تاريخ حوران نفسه عن صراعات داخلية وفصائل وعائلات ومصالح، بما يؤكد أن الجماعة لم تكن في أي مرحلة كتلة متجانسة.
والفرق بين فلسطين ولبنان هنا جوهري. في الحالة الفلسطينية، يوضح فرو كيف عملت سياسات الدولة الإسرائيلية على إنتاج مسافة سياسية بين الدروز وبقية العرب، مستفيدة من خصوصيتهم الدينية والاجتماعية ومن موقعهم داخل الدولة. أما في لبنان، فقد كانت الطائفة نفسها جزءًا من النظام السياسي، ولذلك لم يكن المطلوب فصل الدروز عن محيط عربي بقدر ما كان عليهم إدارة موقعهم داخل دولة تقوم على التوازن الطائفي.
وهذا الفرق يمنعنا من تحويل كتاب فرو إلى حكم نهائي على هوية الدروز. فالمؤرخ نفسه يفتح الباب أمام فهم أكثر تعقيدًا: الهوية ليست كتلة صلبة، لكنها أيضًا ليست مادة بلا جذور. هناك ذاكرة دينية واجتماعية، وهناك تاريخ من العيش في الجبل والقرية والتحالف والهجرة، وهناك في المقابل دول حديثة تعيد توزيع السلطة والحقوق والواجبات.
ومن هنا تبدو أهمية الكتاب بالنسبة إلى القارئ اللبناني اليوم. فهو لا يقدم تاريخ الدروز فحسب، بل يضع أمامنا سؤالًا يخص كل جماعة تعيش في منطقة تتبدل فيها الدول والحدود والتحالفات: ماذا يبقى من الهوية عندما تتغير شروط السياسة؟ ومتى تصبح الخصوصية حماية مشروعة للذات، ومتى تتحول إلى أداة تستخدمها السلطة لتقسيم المجتمع؟
في رأيي، تكمن قيمة قيس ماضي فرو في أنه لا يطلب منا أن نختار بين تفسير ديني وتفسير سياسي، بل يدفعنا إلى رؤية العلاقة بينهما. ومع ذلك، فإن قراءة فرو تصبح أكثر اكتمالًا حين نضعها إلى جانب قراءات أخرى للتاريخ الدرزي، لأن أي تاريخ للجماعة يظل ناقصًا إذا اختزلها في السياسة والنخب وحدهما. فالمجتمع تصنعه أيضًا الذاكرة اليومية، والتعليم، والعائلة، والثقافة، والتحولات الاجتماعية التي لا تظهر دائمًا في الوثائق السياسية.
وهذا ما يجعل قراءة الدروز في لبنان وفلسطين وسورية قراءة واحدة ومتشابهة من حيث السؤال، لا من حيث النتائج. فالهوية لا تُفهم من صورتها الأخيرة، بل من الطريق الطويل الذي أوصل إليها. وكلما قرأنا ذلك الطريق بعيدًا من التقديس والاتهام، اقتربنا من فهم الإنسان الذي يقف وراء الجماعة، ومن فهم التاريخ الذي صنع خياراتها وحدودها وآمالها.
*كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني
إعلان
يتم عرض هذا الإعلان بواسطة إعلانات Google، ولا يتحكم موقعنا في الإعلانات التي تظهر لكل مستخدم.






