وليد جنبلاط… حين تُصبح الحكمة مشروعًا سياسيًا
06 آب 2026
17:39
Article Content
ليست السياسة فنَّ رفع الشعارات، بل فنَّ منع انهيار الأوطان. وفي منطقةٍ اعتادت أن تدفع أثمان الأخطاء السياسية من أمن شعوبها واستقرار دولها، تصبح قيمة رجل الدولة مرتبطة بقدرته على احتواء الأزمات أكثر من قدرته على إشعال الحماسة. فالتاريخ لا يحتفظ طويلًا بأسماء الذين أتقنوا الخطابة، بقدر ما يحتفظ بمن نجحوا في حماية أوطانهم عندما ضاقت الخيارات، وتعقّدت القرارات.
في الحياة السياسية اللبنانية، قلّما يمكن قراءة نصف قرن من التحولات الكبرى من دون التوقف عند اسم وليد جنبلاط. فقد ارتبط حضوره بمحطات مفصلية طبعت تاريخ لبنان الحديث، من سنوات الحرب الأهلية إلى مرحلة إعادة بناء الدولة، ومن الانقسامات الداخلية إلى التحولات الإقليمية التي أعادت رسم موازين القوى في الشرق الأوسط. وخلال تلك المراحل، بقي حاضرًا في قلب النقاش الوطني، مساهمًا في بلورة المواقف وإعادة تقييم الخيارات وفق قراءته للواقع.
قد يختلف اللبنانيون والعرب في تقييم كثير من مواقفه، وهذا أمر طبيعي في العمل السياسي، إلا أن حضوره المستمر في المنعطفات الكبرى جعل تجربته موضع اهتمام المؤيدين والمنتقدين على حد سواء. فالرجل لم يكتفِ بإدارة المواقف، بل سعى، وفق رؤيته، إلى إدارة التوازنات في بلد يقوم أساسًا على توازنات دقيقة وحساسة.
لقد كشفت التجربة اللبنانية أن أخطر ما يمكن أن تواجهه الدول ليس وجود الخلافات، بل عجزها عن إدارتها. فحين يتحول الاختلاف إلى قطيعة، والسياسة إلى مواجهة مفتوحة، تصبح مؤسسات الدولة أول الضحايا، ويغدو المواطن الجهة التي تدفع الثمن الأكبر. ومن هذا المنطلق، برزت لدى وليد جنبلاط قناعة متكررة بأن الحوار، مهما كان صعبًا، يظل أقل كلفة من الصدام، وأن التسويات، مهما بدت مؤلمة، قد تكون السبيل الوحيد للحفاظ على الاستقرار.
لم تكن هذه المقاربة وليدة تنظير سياسي، بل نتاج تجربة طويلة مع الحرب والسلم، والانتصارات والانكسارات، والتحالفات والمتغيرات. فمن عاش انهيار الدول يدرك أن إعادة بنائها أصعب، بما لا يقاس، من حمايتها قبل سقوطها. ولذلك، كثيرًا ما ارتبط اسم جنبلاط بالدعوات إلى تجنيب لبنان الفتن الداخلية، والحفاظ على السلم الأهلي، والبحث عن مخارج سياسية للأزمات.
ويذهب عدد من المراقبين إلى أن ما يميز تجربته ليس طولها فحسب، بل طبيعة التفكير الذي حكمها؛ تفكير ينطلق من أن السياسة ليست ساحة لإلغاء الخصوم، بل مساحة لإدارة التعدد، وأن الزعامة تُقاس بقدرة صاحبها على حماية الدولة عندما تصبح مهددة، لا بقدرته على تسجيل الانتصارات الخطابية.
وفي عالم عربي تتزايد فيه الانقسامات، وتتعاظم فيه الأزمات الاقتصادية والأمنية، تبدو الحاجة ملحّة إلى ثقافة سياسية تضع الدولة فوق الاصطفافات، والإنسان فوق الحسابات الضيقة. فقد أثبتت التجارب أن الشعوب لا تنهض بالشعارات وحدها، بل بالمؤسسات، وبالقدرة على إنتاج حلول واقعية تحفظ الاستقرار وتفتح أبواب المستقبل.
ولهذا، يرى كثيرون أن تجربة وليد جنبلاط تمثل نموذجًا سياسيًا يستحق التأمل؛ ليس لأنها تخلو من الجدل، بل لأنها تعكس محاولة دائمة للتوفيق بين المبادئ ومتطلبات الواقع، وبين الثوابت الوطنية وتعقيدات المرحلة. فالسياسة، في نهاية المطاف، ليست اختبارًا للنوايا، بل اختبارًا للنتائج، والنتائج تُقاس بما يبقى من وطن، لا بما يُقال في ساحات الخطابة.
إن الأمم التي تعيش على الانفعال تُرهق نفسها، أما الأمم التي تُحسن إنتاج رجال دولة قادرين على التفكير بهدوء في أكثر اللحظات اضطرابًا، فهي وحدها التي تملك فرصة العبور من الأزمات إلى الاستقرار.
وربما لهذا السبب، يبقى اسم وليد جنبلاط حاضرًا في النقاش السياسي اللبناني والعربي؛ ليس لأنه ادّعى امتلاك الحقيقة المطلقة، بل لأن تجربته الطويلة تثير سؤالًا يتجدد مع كل أزمة: هل تستطيع الحكمة أن تكون قوة سياسية بقدر ما تكون قيمة أخلاقية؟
في زمنٍ يتسابق فيه كثيرون إلى رفع السقوف، قد يكون أكثر ما تحتاجه الأوطان هو من يعرف متى يتكلم، ومتى يصغي، ومتى يواجه، ومتى يفتح بابًا للحوار. فالدول لا يحميها الصخب، بل يحميها العقل؛ ولا يصنع مستقبلها الغضب، بل تصنعه البصيرة.
إعلان
يتم عرض هذا الإعلان بواسطة إعلانات Google، ولا يتحكم موقعنا في الإعلانات التي تظهر لكل مستخدم.






