تيمور جنبلاط في راشيا… زيارة برسائل ودلالات كثيرة
06 آب 2026
07:18
Article Content
ليست راشيا مجرد محطة على جدول زيارات رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب تيمور جنبلاط. فالمدينة التي ارتبط اسمها بولادة استقلال لبنان، والتي دفعت قبل ذلك بسنوات أثماناً باهظة في مواجهة الانتداب الفرنسي، وبقيت متشبثة بهويتها الوطنية والعربية، تستقبل، السبت في 8 آب 2026، زيارة تحمل في مضمونها أكثر من افتتاحين، وأكثر من مناسبة احتفالية.
في لحظة يعيش فيها لبنان نقاشاً مفتوحاً حول الدولة وسيادتها ومستقبل مؤسساتها والهوية الوطنية، تبدو راشيا مرة جديدة مساحة لقراءة هذه العناوين من خلال مشروعين يختصران معادلة واضحة: الاستثمار في الإنسان من جهة، وصون الذاكرة الوطنية من جهة أخرى.
فالزيارة التي تمتد على نهار كامل تجمع بين إطلاق مشروع علمي يتطلع إلى المستقبل، واستعادة صفحة مشرقة من تاريخ النضال الوطني والعربي، في رسالة تؤكد أن بناء الغد لا ينفصل عن حفظ ذاكرة الأمس.
الرسالة الأعمق في الزيارة تتجلى داخل قلعة الاستقلال، حيث يفتتح تيمور جنبلاط جناح راشيا في متحف الاستقلال، وهو جناح يوثق مرحلة مفصلية من تاريخ المنطقة خلال الثورة السورية الكبرى عام 1925 بقيادة سلطان باشا الأطرش، يوم انتفض الموحدون الدروز، إلى جانب مختلف المكونات السورية، من أجل استقلال سوريا ورفض الانتداب الفرنسي. وفي تلك المرحلة، رفض سلطان باشا الأطرش كل الإغراءات الفرنسية للتخلي عن القضية الوطنية مقابل امتيازات شخصية أو فئوية، مقدماً نموذجاً في التمسك بالوطن ووحدته.
ولا يروي الجناح أحداثاً تاريخية فحسب، بل يعيد الاعتبار لدور راشيا ووادي التيم في مقاومة الانتداب الفرنسي، من خلال وثائق وصور ومقتنيات نادرة، بينها خيمة سلطان باشا الأطرش، وبيارق الثورة، وبيرق راشيا، إلى جانب لوحة تضم أسماء الشهداء الذين سقطوا في تلك المواجهات.
كما يستعيد المتحف وقائع حصار الثوار لقلعة راشيا، وسقوط أكثر من مئة وخمسين شهيداً بعد تدخل الطيران الفرنسي الذي قصف المدينة والقلعة، قبل أن يعمد الاحتلال إلى إحراق راشيا. كذلك يخصص مساحة واسعة لبلدة العقبة، التي قدمت العدد الأكبر من الشهداء حتى باتت تُعرف بـ”أم الشهداء”، إضافة إلى توثيق مذبحة راشيا وغيرها من المحطات التي شكلت ذاكرة المقاومة الوطنية ضد الاستعمار.
ولا تنفصل هذه المحطة عن الثوابت التي يؤكدها الحزب التقدمي الاشتراكي، وفي مقدمها الانتماء العربي، ومناهضة المشاريع الاستعمارية، القديمة منها والجديدة، ورفض كل محاولات تشويه تاريخ الموحدين الدروز أو سلخهم عن محيطهم العربي. فمن يزور راشيا لا يزور فقط مدينة الاستقلال، بل أيضاً واحدة من أبرز ساحات المقاومة ضد الانتداب، حيث امتزجت دماء أبناء وادي التيم وجبل العرب دفاعاً عن الحرية، قبل أن يصبح ذلك النضال جزءاً من التاريخ اللبناني والسوري المشترك.
ومن هنا، فإن افتتاح الجناح يشكل محاولة لإعادة تقديم هذا التاريخ إلى الأجيال الجديدة، في وقت تزداد فيه الحاجة إلى ترسيخ مفهوم الهوية الوطنية الجامعة، في مواجهة دعوات الانعزال والتقوقع، وكل محاولات إعادة كتابة التاريخ بما يخدم مشاريع سياسية آنية.
ويكتسب الحضور الشعبي المرتقب في الاحتفال بعداً إضافياً، إذ يُراد له أن يكون تأكيداً على تمسك أبناء المنطقة بتاريخهم، ورسالة بأن الذاكرة ليست مجرد استذكار للماضي، بل عنصر من عناصر حماية الحاضر وصناعة المستقبل.
ويأتي افتتاح جناح راشيا استكمالاً لمشروع تطوير متحف الاستقلال الذي أُنجز بدعم من مؤسسة الوليد بن طلال الإنسانية، وبجهود معالي الوزيرة ليلى الصلح حمادة، التي تبنت مشروع ترميم القلعة وتجهيزها. ويشكل الجناح الجديد امتداداً للمتحف الذي افتتح سابقاً، ويوثق استقلال لبنان عام 1943 ورجالاته، ليصبح الموقع، بأجنحته المختلفة، مساحة تربط بين ثورة عام 1925، واستقلال لبنان، ومسيرة بناء الدولة اللبنانية.
أما المحطة الأولى في برنامج تيمور جنبلاط، فستكون في مجمع كمال جنبلاط التربوي، حيث يفتتح، إلى جانب وزير الاتصالات شارل الحاج، مختبر الذكاء الاصطناعي والروبوتيكس، المخصص لتدريب المعلمين والطلاب على تطبيقات الذكاء الاصطناعي في المجال التربوي.
والمشروع، الممول من جمعية Solidarity، ستتولى إدارته جامعة CNAM وكلية إدارة الأعمال ليشكل منصة تدريبية متخصصة تفتح أمام طلاب المنطقة أبواب التكنولوجيا الحديثة، وتؤكد أن المناطق اللبنانية قادرة على أن تكون شريكاً في اقتصاد المعرفة، لا مجرد متلقية له.
ختاماً، لعل أكثر ما تختصره زيارة تيمور جنبلاط إلى راشيا هو الجمع بين زمنين: زمن الشهداء الذين صنعوا الحرية ورسخوا الهوية الوطنية الجامعة، وزمن الشباب الذين يصنعون المستقبل بالعلم والمعرفة.
إعلان
يتم عرض هذا الإعلان بواسطة إعلانات Google، ولا يتحكم موقعنا في الإعلانات التي تظهر لكل مستخدم.






