السّعوديّة تكسر استراتيجية “الحرس” الإقليميّة
01 آب 2026
04:44
Article Content
في كلّ مرّة يحاول رموز التفاوض مع أميركا في طهران وقف الخسائر الهائلة للضربات الأميركيّة المتتالية، تنتقل قيادة “حرس الثورة” إلى أوراق تصعيد جديدة. تخضع المنطقة لتداعيات الصراع الداخليّ الإيرانيّ، بتحريكه أذرعه ضدّ دول الإقليم، وآخِرتها المملكة السعوديّة، بالتوازي مع تعليق الضربات الأميركيّة لخمسة أيّام، يحاول خلالها “الحرس” استعادة المبادرة من مفاوضي الداخل الإيرانيّ. ترهيب حكومات دول اختارت مساراً جدّيّاً للتفلّت من براثن طهران، مثل العراق ولبنان واليمن، هو أسلوب أصحاب العقول الحامية. يوظّف رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو تصعيد “الحرس” ليبقي على احتلاله لجنوب لبنان ولجنوب سوريا، ولاستثمار حربه في الانتخابات.
دخلت المملكة العربيّة السعوديّة الحرب الأربعاء الماضي باشتراك جيشها مع قوّات القيادة المركزيّة الأميركيّة في قصف مواقع ميليشيات عراقيّة هي صنيعة “الحرس” في مناطق متعدّدة في بلاد الرافدين.
ردّ سعوديّ باسم دول الخليج
يمكن تعريف ردّ سلاح الرياض الجوّيّ على استهداف منشآت نفطيّة سعوديّة بأنّه جاء باسم دول الخليج التي تتعرّض للقصف الإيرانيّ منذ أشهر. اعتمدت دول مجلس التعاون الخليجيّ نهجاً اتّسم بالحكمة والتحفّظ، تجنّباً لتوسّع الحرب التي أمعن أصحاب القرار في طهران بالتسبّب في تمدّدها.
لكنّ إعادة “الحرس” تحريك الذراع الحوثيّة في اليمن، ونقل أسلحة وخبراء جدد إلى صنعاء، واستهداف إمدادات الصادرات النفطيّة السعوديّة في باب المندب، وتمكين “أنصار الله” من الحصول على قواعد في العراق، أظهرت عناداً في محاولة ليّ ذراع جيرانها. رفضت طهران حلولاً مؤقّتة لضمان حرّية الملاحة الدوليّة عبر مضيق هرمز، اقترحتها سلطنة عُمان. وعلى الرغم من أنّ الأخيرة تصرّفت طوال الأشهر الماضية بلباقة دبلوماسيّة وهدوء يحفظان لطهران ماء الوجه، كي تتراجع الأخيرة عن ابتزاز المجتمع الدوليّ في المضيق، إلّا أنّ “الحرس” صعّد ضدّ المملكة السعوديّة في باب المندب عبر الحوثيّين، وعبر بعض الفصائل الموالية للوليّ الفقيه في العراق.
استبعاد الاشتراك الإسرائيليّ بالحرب
لم يكن أمام السعوديّة خيار سوى الانخراط في المواجهة العسكريّة لوضع حدّ للاستباحة الإيرانيّة للملاحة البحريّة في الخليج، ولوقف ابتزاز العالم بشأن تصدير النفط. أمّا طهران فتريد في التفاوض الأميركيّ الإيرانيّ المفترض إحباط الحقّ الخليجيّ بالمشاركة في رسم المعادلة المستقبليّة لسوق الطاقة. وتحت شعار إدارة المضيق بالتفاهم مع الدول المشاطئة، تريد فرض تفرّدها بالقوّة، للتحكّم بالملاحة البحريّة.
من تداعيات الانخراط السعوديّ العسكريّ في مواجهة الإصرار الإيرانيّ على الهيمنة في المنطقة، أن لا حاجة أميركيّة إلى إشراك إسرائيل في المواجهات العسكريّة المتقطّعة مع “الحرس”. ذلك أنّ دول المنطقة هي التي تتولّى الدفاع عن مصالحها وسيادتها.
منع العراق من التّصحيح
في اليمن أحيا “الحرس” المراهقة الحوثيّة التي نكبت البلد السعيد منذ عام 2014، بعدما اشتدّ عود الحكومة الشرعيّة بدعم سعوديّ. وبذلك أسقطت طهران مفاعيل اتّفاقها مع الرياض برعاية صينيّة في العاشر من آذار 2023، الذي أعاد التبادل الدبلوماسيّ، وشدّد على علاقات حسن الجوار.
هدف استخدام “الحرس” أذرعه في العراق هو الحدّ من اندفاعة حكومة عليّ الزيديّ نحو حصر السلاح في يد الدولة العراقيّة، مع نهاية أيلول المقبل، وقطع الطريق على مواصلة القضاء العراقيّ ملاحقة أموال الفساد واستردادها.
ينذر كشفُ السرقات الماليّة بفضح تورّط رجالات طهران في ظلّ سيطرتها على القرار في بغداد. تحكّم هؤلاء بالأموال المنهوبة على مدى عقود، لتمويل أذرعها في اليمن ولبنان وحربها في سوريا دفاعاً عن نظام بشّار الأسد.
لم يكن إغراق العراق في المواجهة مع أميركا، وفي الاعتداء على دول الخليج، سوى محاولة لإفهام الحكومة العراقيّة بأنّ سعيها إلى إفشال ورقة وضع اليد على هرمز غير مقبول. اتّفق الزيديّ في واشنطن مع شركات لمدّ خطّ أنبوب كركوك ـ بانياس في سوريا لتصدير النفط العراقيّ، وهذا ما لا تقبله طهران، فيما الحصار الأميركيّ على شواطئها يشتدّ. ترمي بغداد إلى التعويض عن خسارتها زهاء 50 مليار دولار جرّاء إقفال إيران لمضيق هرمز أمام تصدير النفط العراقيّ. القاعدة التي اعتمدها “الحرس”، وحتّى المفاوضون الإيرانيّون أكدوها (تصريحات رئيس البرلمان (الشورى) الإيرانيّ محمّد باقر قاليباف) تقول: إمّا حقّ إيران بالتصدير أو لا تصدير لأحد.
الاحتفاظ بالسّلاح في لبنان
لا يمكن فصل إطلاق مسيّرة مجهولة المصدر على القوّات الإسرائيليّة في منطقة تلّة عليّ الطاهر في جنوب لبنان عن السياق الإقليميّ لتحريك الأذرع. وإذا كان “الحزب” امتنع عن تبنّي العمليّة، لإدراكه أنّها ستكون حجّة جديدة للتغوّل الإسرائيليّ في الجنوب، ولارتكاب المزيد من الخروقات لاتّفاق “الإطار”، فإنّ “الحرس” توخّى من العمليّة توجيه رسالة مزدوجة مفادها:
1 ـ أنّه قادر على تحريك الجبهة على الرغم من صمت “الحزب” منذ 26 حزيران الماضي عن الردّ على مواصلة إسرائيل تفجير المنازل وتجريفها والقضاء على أسباب الحياة في حوالي 60 قرية.
2 ـ أنّ “الحزب” سيحتفظ بوجوده المسلّح في ما يسمّى “المناطق التجريبيّة” التي يسعى الجانب الأميركيّ إلى إقامتها في الجنوب، عبر انسحاب إسرائيل منها وانتشار الجيش وسحب سلاح “الحزب” منها.
التّموضع الإقليميّ الجديد
لا يقيم “الحرس” وزناً للكلفة العالية لإقحام تلك الأذرع مجدّداً في الصراع مع أميركا. في حالة لبنان مع إسرائيل، لا تقود النكبة التي حلّت بالبلد الصغير في حربَي إسناد غزّة والثأر لخامنئي، ودروس استدراج الغول الإسرائيليّ لتهجير البيئة الشيعيّة، إلّا إلى وعد من المرشد الإيرانيّ الجديد مجتبى خامنئي بمواصلة دعم “المقاومة”. ويرى العقل الذي يدير “الحرس” أنّ تضحية هذه البيئة من أجل إيران واجب، وأنّ علاج الآلام السياسيّة والعسكريّة يتمّ بـ “الصبر”. وهي القاعدة التي يطبّقها على الشعب الإيرانيّ.
في المرحلة المتقلّبة بين الحرب والتفاوض، التي يفرضها “الحرس” في المنطقة، ويمارسها التطرّف الإسرائيليّ، تواصل الدول تموضعها الإقليميّ والدوليّ الجديد، لعلّها تخرج من دائرة تقديم الأضاحي لطهران أو تخفّف من مفاعيلها. يأتي في هذا السياق اضطرارُ المملكة السعوديّة إلى دخول الحرب. وتستكمل زيارة الرئيس اللبنانيّ جوزف عون لتركيا خريطة التموضع اللبنانيّ الجديد. ولهذا حديث آخر.
إعلان
يتم عرض هذا الإعلان بواسطة إعلانات Google، ولا يتحكم موقعنا في الإعلانات التي تظهر لكل مستخدم.






