حينَ تبهتُ بالتباهي
28 تموز 2026
13:22
Article Content
هي ذاك الهدوءُ المرئيّ على سطحِ اليقينِ، يقينٌ داخلي صامتٌ يجعلَ الروحَ قويةً، صامدةً أمامَ مخاوفِها، جريئةً.. تقفُ في منتصفِ عواصفِ الحياة مجابهةً بقدراتِها، ليست إنكاراً للضعفِ.. بل أنّها تقدّرُ ذاتها، فتحاكيها: أنا قادرةٌ.. أنا أستحقُّ..، أُطفِئ ضجيجاً، أُضفي إرتياحاً. بها أعبرُ إلى نفسي لأبلغَ ذاتي.
الثقةُ بالنفسِ هي تلك المعادلةُ الحقّة.. إيمانٌ عميقٌ بجمالِ تفرّدِكَ تزرعهُ في أعماقِكَ، وتصالحٌ مع ذاتِكَ، فلا تعدل عنها إن أردت تنميةَ شخصيةٍ ثابتة، وإثباتَ وجودها، متمسّكةً بالقيمِ والثوابتِ، تثقُ بطاقتك تشقُّ طريقك نحو الخلاصِ الذاتي، بإخلاصٍ لكفاءتكَ وتمكّنك. لتغدو نوراً وضاءاً يبدّدُ عتمةَ التردّدِ، وتنعمُ بطمأنينةِ القلبِ.
هي إيمانُ الروحِ أنَّ كلَّ عثرةٍ هي مجرّدَ خطوةٍ نحو العظمة، "واثقُ الخطى يمشي ملكاً"، يدركُ أنّ القيمةَ الحقيقية تنبعُ من الداخلِ، ولا تستمدُّ من بريقِ أو تصفيقِ الآخرين، "لستُ افضلَ من غيري، لكني أملكُ قناعاتٍ قويّة تجعلني أرفضُ مقارنةَ نفسي بالآخرين" شكسبير.
هي وقودُ النجاحِ، فماذا حين تغترُّ !؟ لا شكَّ أنّها تتبدّلُ من ثقةٍ راجحةٍ إلى زائدة، لتصبحَ فريسةَ الغرورِ، فيُرسمُ الخطّ الفاصل بين الإيمانِ بالذاتِ وبينَ اليقينِ المطلقِ بالكمالِ."وإني وإن كنتُ الأخيرَ زمانه... لآتٍ بما لم تستطعهُ الأوائلُ" أبو العلاء المعري.
غرورٌ يعمي العيونَ عن العيوبِ، يصوّرُ السرابَ غيثاً، فخٌّ فلسفي خفيٌّ، يغزلُ خيوطَهُ الوهمُ، مهلكةُ النفسِ لا مملكةُ الثقة، "وكلّ شيء زادَ عن حدِّهِ إنقلبَ إلى ضدِّهِ".
الثقةُ الزائدةُ هي وَهْمٌ خادعٌ، جدارٌ سميكٌ يحجبُ رؤيةَ الحقيقةِ ويمنعُ التعلّمَ، يظنُّ هذا الواثقُ أنَّه يملكُ كلَّ الإجاباتِ، وهذا يقتلُ الفضولَ والتساؤلَ والإنفتاحَ على الشكِّ، وهو بدايةُ اليقين، فالشكِّ الإيجابي هو سرُّ التطوّرِ المستمرِّ، والدافعُ للبحثِ والمعرفةِ.
يكمنُ الخطرُ في فقدانِ الحظرِ، فيقولُ سقراط " أنا أعرف شيئاً واحداً، هو أنني لا اعرفُ شيئاً "، الإعترافُ بالجهلِ هو قمةُ الحكمةِ.
الثقةُ الزائدة هي تحيٌزٌ عقلي، يميلُ فيه الفردُ إلى المبالغةِ : في الدقّةِ، والمقارنةِ مع الآخرين، وفي تقديرِ قدراتِه ومعرفتِه وفرصِه في النجاحِ.
والعواقبُ كثيرةٌ: سوءُ التقديرِ، المخاطرُ المالية، تجاهلُ الإخطاءِ...، وتحمّلُ مخاطرٍ غير مدروسةٍ. "لي صاحب دخلَ الغرورُ فؤادَه
أنّ الغرورَ أُخَيَّ من أعدائي
أسديته نصحي فزادَ تمادياً
في غيّه وازدادَ فيه بلائي" إبن المقفّع.
للثقةِ حينَ تبهتُ بتباهيها الزائدِ، مراحلُ غرورٍ تبدأ مع :
وهمُ الكمالِ
تتسلّلُ الثقةُ الزائدةُ إلى الروحِ كخمرٍ خفيّة، فتجعل صاحبها يرى نفسَه محورَ الوجودِ، يتوقفُ عن مساءلةِ افعالِهِ، ويظنُّ أنَّ أخطائه فضائلٌ، متناسياً أنَّ المقدرة في تواضعِ المعرفةِ. "نسي الطينُ ساعةً أنه طينٌ... فتعالى وأخذَ الكبرياءُ" إيليا أبو ماضي.
صنمُ الغرورِ:
يصنعُ المغرورُ من صورتِهِ صنماً يعبده، فيسقطُ في وهم القوةِ المطلقة، ويكونَ الإصطدامُ بالواقعِ هو الضربةُ القاضية. هنا لا يسعنا إلا أن نذكرَ "مرآة نرسيس"، تشيرُ إلى أسطورةٍ يونانية قديمةٍ عن شابٍ شديدِ الجمالِ، تعاقبُه الآلهةُ بالوقوعِ في حبِّ إنعكاسِ صورتهِ في الماءِ، إنتهى به الأمر بالموتِ غرقاً أثناء محاولتِه الإمساكِ بصورتهِ، ترمزُ بعلمِ النفسِ إلى "النرجسية" حبُّ الذاتِ المفرطِ والغرورِ.
سقوطُ "الإيغو" الأنا:
الثقةُ الزائدة المقدمةُ الحتمية للسقوطِ، ويصبحُ من الصعبِ على المرءِ عند تعاظمِ الأنا، تقبّلُ النصحَ أو مراجعةَ الذاتَ، مما يقودُ إلى الجمودِ الفكري للمرء، ليتحوّلَ من بطلٍ في خيالِهِ الى عابرٍ سبيلٍ في الواقعِ. "رحمَ الله أمرىء عرفَ قدرَهُ فلزمَه، وعرفَ حدَّه فوقفَ عندَهُ".
طريقُ الحكمةِ:
الحكمة الحقيقية هي التوازنُ الدقيق بين الإيمانِ بالقدراتِ والاعترافِ بالحدود البشرية، إنّها الثقةُ الهادئة التي تقبلُ التحديات، ولكنّها تدركُ تماماً أنّ الانسان يظلُّ تلميذاً في مدرسةِ الحياة، يتعلّمُ كلّ يومٍ درساً جديداً. "أحبَّ الجميعَ، وثق بالقليلين، ولا تظلم أحداً" شكسبير.
الثقة بالنفسِ هي الركيزةُ الأساسية لكلِّ بناءٍ أخلاقي وإنساني عظيمٍ، وحين يفيضُ منسوبُ غرورِها فالغرقُ مصيرها، وما النجاةُ الإ بالإعتدالِ والتواضعِ. يقول فكتور هوغو : "إحذر من المبالغة، الثقة الزائدة تصنعُ غروراً، والمديحُ الزائدُ يصبحُ نفاقاُ".
ويعدُّ أبو الطيب المتنبي من أعظمِ شعراءِ العربية في الفخرِ والإعتزازِ بنفسِهِ:
"أنا الذي نظرَ الأعمى إلى أدبي
وأسمعتُ كلماتي من به صَممُ".
يختمُ أبو نوّاس النقاشَ، ويحسمُ:
فقلْ لم يدَّعي بالعلمِ فلسفةً
حَفظتَ شيئاً وغابت عنكَ أشياء.
يتم عرض هذا الإعلان بواسطة إعلانات Google، ولا يتحكم موقعنا في الإعلانات التي تظهر لكل مستخدم.






