التجاعيد تملأ وجهه وقلبه عامرٌ بالشباب

محمود الأحمدية |

من علامات الشيخوخة أن تكبّر المسائل الصغيرة وتبالغ في أهمية المسائل التافهة، أن تفضّل الغرف المظلمة على الهواء الطلق ... أن تهتمّ بقراءة صفحة الوفيات ولا تهتم بأخبار حفلات الزفاف والخطبة والمواليد... أن تتحدث عن الماضي ولا تتكلّم عن المستقبل... أن تفقد الإهتمام بشروق الشمس وترقب موعد الغروب ... 

إنني لو سألتك كيف حالك وأنت في العشرين ستقول روعة... وفي الثلاثين ستقول عال... وفي الأربعين ستقول: الحمد لله ... وفي الخمسين وما فوق ستحدثني وكأنني طبيب جاء يسألك عن كلّ ما تشكو منه من علل وأمراض... وقد التقيت في حياتي بكهول قلوبهم شابة وعقولهم شابه وأرواحهم شابة... أروع مثال التقيت به وبحكم عملنا في مجال تسويق السقالات والقوالب الحديدية... ذات صباح اتصلت بمقاول كبير يملك مشاريع كبرى في أهم مناطق العاصمة وهو الدكتور فاتح السقّال وسألته على الهاتف ، بعد أن شرحت له طبيعة عملنا، حول إمكانية التعاون معه في شركته الكبيرة ، فقال لي أهلاً وسهلاً بك لقاؤنا غداً الساعة السادسة والنصف... سألته مساءً ؟؟ وكانت المفاجأة الكبرى كلّا في الصباح الباكر... ووصلت صباح اليوم الثاني على الموعد وفي الساعة السادسة والنصف ، وبعد السلام والصباح... استوقفني الدكتور فاتح قائلاً: قبل أن نبدأ في الحديث عن السقالات الحديدية والقوالب الحديدية وتفاصيلها وإمكانية التعاون فيها ، أريد أن أؤكد لك عبر هذا الموعد عدة مبادئ: أولها عندما أصل أنا رب العمل وصاحب المشروع في الساعة السادسة والنصف سأشكّل نموذجاً وَمَثَلاً يُحْتَذى به أمام مهندسي الشركة وعمال الشركة حتى يصلوا إلى المشروع الساعة السابعة تماماً بدون التعدي ولو بدقيقةٍ واحدة على توقيت بدء العمل أي الساعة السابعة صباحاً... وتابع قائلاً ثانيها كُنْ على ثقة يا أحمدية أن قصة الإنسان والموت لها فلسفتها الخاصة نسبةً إليَّ ... الموت لا يعني وقوف القلب أو وقوف الدماغ ... الموت يعني أن الإنسان يموت عندما يتوقف عن العمل والإنتاج ويتقاعد عن أداء دوره الفاعل في مجتمعه وقي صداقاته وفي وفي عطاءاته... بعد المقابلة الرائعة مع الدكتور فاتح السقال أطال الله بعمره والذي يتجـاوز الـ 85 عاماً ، وندق على الخشب ... تَغَيَّرتْ نظرتـي إلـى الحيــاة... نعم... مهما كثرت التجاعيد تَصْغُرُ أهميتها أَمام قلوب عامرة بالفرح وبالشباب وبالحيوية ...