هل تعالج الدولة أزمتها من جيوب المواطنين؟
05 تموز 2026
14:41
Article Content
في إدارة الاقتصادات الحديثة، لا تُقاس كفاءة السياسات المالية بقدرتها على تأمين إيرادات إضافية للخزينة العامة فحسب، بل بمدى انسجامها مع الدورة الاقتصادية والظروف الاجتماعية السائدة. فالسياسة المالية ليست أداة محاسبية هدفها تحقيق توازن رقمي بين الإيرادات والنفقات فقط، بل هي أيضاً أداة لإدارة النشاط الاقتصادي وتوجيهه والتخفيف من الاختلالات الاجتماعية والاقتصادية. ومن هذا المنطلق، يطرح توقيت إقرار المرسوم رقم 3214 جملة من التساؤلات الاقتصادية المشروعة، خصوصاً في ظل استمرار حالة الانكماش الاقتصادي وتراجع القدرة الشرائية للأسر اللبنانية.
لا خلاف على أن الدولة تواجه تحديات مالية كبيرة، سواء لجهة اتساع حاجاتها التمويلية أو لجهة الضغوط المتزايدة على المالية العامة. كما لا خلاف على أن البحث عن مصادر إيرادات إضافية أصبح حاجة ملحّة في ظل الواقع المالي القائم. غير أن النقاش الاقتصادي لا ينبغي أن يتمحور حول ضرورة الإيرادات بحد ذاتها، بل حول طبيعة الأدوات المستخدمة وتوقيت اعتمادها.
فالاقتصاد اللبناني لم يدخل بعد مرحلة تعافٍ اقتصادي حقيقي تسمح له باستيعاب إجراءات مالية إضافية ذات أثر مباشر أو غير مباشر على الأسعار والاستهلاك. ولا تزال مؤشرات عدة تعكس استمرار حالة الضعف الاقتصادي، من تباطؤ النشاط الإنتاجي والاستثماري إلى انخفاض مستويات الدخل الحقيقي للأسر وتآكل القوة الشرائية نتيجة موجات التضخم المتراكمة خلال السنوات الماضية.
في هذا السياق، فإن أي زيادة في الرسوم أو الأعباء المالية تثير إشكالية اقتصادية مزدوجة. فمن جهة أولى، تتحول هذه الرسوم تدريجياً إلى عنصر إضافي ضمن كلفة الإنتاج أو الاستيراد أو التوزيع، وهو ما ينعكس في معظم الأحيان على الأسعار النهائية للسلع والخدمات. ومن جهة ثانية، فإن ارتفاع الأسعار في بيئة اقتصادية تعاني أصلاً من ضعف الطلب والاستهلاك قد يؤدي إلى مزيد من الانكماش في النشاط الاقتصادي.
هنا تبرز أهمية فهم ما يعرف في الاقتصاد بـ"الأثر المضاعف للإنفاق". فكل انخفاض في قدرة الأفراد على الإنفاق لا يتوقف أثره عند حدود تراجع الاستهلاك المباشر، بل يمتد ليؤثر على إيرادات المؤسسات والإنتاج وفرص العمل ومستويات الاستثمار، بما يخلق سلسلة متتابعة من التأثيرات الاقتصادية السلبية. وبالتالي، فإن تقليص الإنفاق الاستهلاكي في اقتصاد يعاني أصلاً من ضعف الطلب قد يؤدي إلى انكماش يفوق حجمه الأثر المالي المباشر للرسوم المفروضة.
التجارب الاقتصادية المقارنة تشير إلى أن الدول التي تمر بمراحل ركود أو تباطؤ اقتصادي تتجه عادة إلى اعتماد سياسات مالية تحفيزية تهدف إلى تنشيط الطلب الكلي وتشجيع الاستثمار والاستهلاك بدلاً من فرض أعباء إضافية قد تؤدي إلى تعميق حالة التباطؤ. إذ إن الهدف في مثل هذه المراحل لا يكون فقط زيادة إيرادات الدولة، بل الحفاظ على الحد الأدنى من النشاط الاقتصادي الذي يشكل أساساً لأي تعافٍ مستقبلي.
ومن زاوية أخرى، فإن نجاح أي سياسة ضريبية لا يقاس بحجم الإيرادات المتوقعة منها فقط، وإنما بمدى عدالتها وقدرتها على توزيع الأعباء بصورة متوازنة بين مختلف الفئات الاجتماعية. ففي علم المالية العامة يُميز بين الضرائب ذات الأثر التصاعدي وتلك التي تأخذ طابعاً تراجعياً. فالضرائب أو الرسوم التراجعية هي تلك التي تتحمل الفئات منخفضة الدخل عبئها الفعلي بصورة أكبر مقارنة بأصحاب الدخول المرتفعة، لأن إنفاقها الاستهلاكي يشكل نسبة أعلى من دخلها الإجمالي.
وتكمن الإشكالية في أن العديد من الرسوم غير المباشرة التي تنعكس على أسعار السلع والخدمات قد تحمل عملياً خصائص ضريبية تراجعية، حتى وإن كانت لا تُصنف قانونياً على هذا الأساس. فارتفاع أسعار السلع الأساسية أو السلع المرتبطة بالحياة اليومية لا يؤثر بالدرجة نفسها على جميع الشرائح الاجتماعية، بل يضغط بصورة أكبر على الفئات محدودة الدخل والأكثر هشاشة اقتصادياً.
ومن هنا يصبح مفهوم العدالة الضريبية ركناً أساسياً في تصميم السياسات المالية، لأنه لا يقتصر على جمع الإيرادات، بل يقوم على توزيع الأعباء وفقاً للقدرة الحقيقية على تحملها. فالعدالة الضريبية لا تعني مساواة جميع الأفراد في حجم العبء المالي، وإنما تحقيق مساواة في القدرة على تحمّل هذا العبء بما يحد من التفاوت الاجتماعي ويعزز الاستقرار الاقتصادي.
في نهاية المطاف، لا يتحقق نجاح أي إصلاح مالي من خلال زيادة الإيرادات فقط، بل من خلال بناء منظومة ضريبية عادلة وفعالة تراعي الظروف الاقتصادية والاجتماعية القائمة. فالدولة التي تسعى إلى معالجة أزماتها المالية لا يمكنها أن تنظر إلى المواطن باعتباره مجرد مصدر للإيرادات، بل باعتباره المحرك الأساسي للنشاط الاقتصادي وأحد عناصر الاستقرار الاجتماعي. وعندما تواجه المجتمعات أزمات اقتصادية عميقة، تصبح حماية الطبقات الأكثر هشاشة جزءاً من صميم السياسة المالية نفسها، لأن العدالة الاجتماعية ليست نتيجة لاحقة للنمو الاقتصادي، بل شرطاً ضرورياً لتحقيقه واستدامته.
*عضو هيئة مكتب المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي في لبنان
إعلان
يتم عرض هذا الإعلان بواسطة إعلانات Google، ولا يتحكم موقعنا في الإعلانات التي تظهر لكل مستخدم.






