لبنان أمام ثلاث عقبات مالية كبرى: قراءة في تحليل فرنسي رفيع المستوى
15 حزيران 2026
08:16
آخر تحديث:15 حزيران 202608:16
Article Content
كشف تحليل صادر عن مصادر مالية فرنسية مطلعة على الملف اللبناني عن رؤية دقيقة ومفصّلة لمسار الإصلاح المالي في لبنان، خلاصتها أن البلاد تقف اليوم أمام ثلاث عقبات متتالية، لا بد من تجاوزها جميعًا قبل أن يُصبح التعافي الاقتصادي ممكنًا.
العقبة الأولى: قانون التسوية المصرفية
تبدو هذه العقبة في ظاهرها الأبسط، غير أنها ليست محسومة. يتعلق الأمر بالتصويت على الصياغة الجديدة لقانون التسوية المصرفية، الذي بدأت مناقشته في البرلمان اللبناني. والجدير بالذكر أن النسخة الأولى من هذا القانون كان قد صودق عليها في نهاية تموز 2025، إلا أن صندوق النقد الدولي أبدى تحفظات جوهرية عليها، ما أفضى إلى جولات مطوّلة من المراجعة والتفاوض، قبل أن تتوصل السلطات اللبنانية والصندوق في نهاية المطاف إلى نسخة مستقرة.
بيد أن المصادر الفرنسية تحذّر من أن المرور عبر البرلمان ليس أمرًا مضمونًا، إذ يتذرّع عدد من النواب بانتقادات موضوعية، خصوصًا في ما يتعلق بتركيبة الهيئة المصرفية العليا، وهو ما يُشكّل نقطة خلافية لدى البعض.
والأخطر في هذا الملف أن إخفاق التصويت على هذا القانون سيُرسل أسوأ رسالة ممكنة إلى المجتمع الدولي، إذ سيُرسّخ القناعة بأن لبنان عاجز عن إنجاز أي إصلاح، مهما كان محدودًا.
العقبة الثانية: تعديل قانون “الفجوة المالية” أو (gap law) وإشكالية السيولة
تكتسب هذه العقبة طابعًا تقنيًا وماليًا أكثر تعقيدًا. فقانون “الفجوة المالية” بصيغته الراهنة غير قابل للتطبيق ماليًا، وهو ما يستلزم تعديلات جوهرية لا تريد الحكومة اللبنانية إجراءها، معتبرةً أنها أدّت ما عليها. وبالتالي، يقع عبء هذه التعديلات على عاتق البرلمان.
من أين سيأتي المال؟ تُقدّر المصادر الفرنسية أن ثمة مصدرين رئيسيين:
* مصرف لبنان، الذي يمتلك أصولًا بالعملة الأجنبية قابلة للتعبئة بحدود 6 مليارات دولار.
* المصارف التجارية، التي تتحمّل جزءًا من المسؤولية ولا يمكنها التملّص منها، بمساهمة تراوح بين 3 و4 مليارات دولار.
أما على صعيد تخفيف أزمة السيولة، فتقترح المصادر جملةً من التدابير التقنية، أبرزها تمديد فترة سداد مبلغ الـ100,000 دولار تدريجيًا بحسب حجم الوديعة:
|حجم الوديعة |فترة السداد|---------------------------|-----------|
من 100,000 دولار |4 سنوات |
|من 100,000 إلى مليون دولار |5 سنوات |
|من مليون إلى 5 ملايين دولار|6 سنوات |
|أكثر من 5 ملايين دولار |7 سنوات |
وتُثير المصادر ذاتها مسألة أخلاقية جوهرية: لماذا يحق لمن سحب 40,000 دولار بموجب التعميمين 158 و166 أن يتقاضى لاحقًا 100,000 دولار كاملة، من دون أن تُحتسب سحوباته السابقة؟ علمًا أن مجموع ما سُحب استنادًا إلى هذين التعميمين منذ صدورهما تجاوز 6 مليارات دولار، وهو ما لا ينص عليه مشروع القانون الحالي.
العقبة الثالثة: إعادة رسم مسار المالية العامة
هذه العقبة هي الأكثر تعقيدًا وبُعدًا استراتيجيًا، إذ تتعلق بمسار المالية العامة اللبنانية في السنوات المقبلة. وتُصرّح المصادر الفرنسية بأن كل العمل الذي أنجزته وزارة المالية اللبنانية وصندوق النقد الدولي في هذا الشأن قد أصبح لاغيًا في ضوء المستجدات.
فقد كانت التوقعات تُبنى على فرضية نمو إيجابي، في حين بات مؤكدًا أن النمو سيكون سلبيًا وبعمق في عام 2026. كما كان يُراهن على ارتفاع ملحوظ في الإيرادات، غير أن الأشهر الأربعة الأولى من العام تكشف عن ركود أو تراجع. فضلًا عن أن خفض النفقات بات أمرًا مستحيلًا في السياق الراهن.
وعليه، فإن الإطار المالي متوسط المدى (MTFF) برمّته يستوجب إعادة صياغة كاملة على قواعد مغايرة تمامًا لما كان معمولًا به قبل آذار الماضي.
في نهاية النفق: ضوء ممكن
على رغم قتامة المشهد، تُبدي المصادر الفرنسية قدرًا من التفاؤل الحذر. فهي ترى أن قيادة صندوق النقد الدولي، بحكم براغماتيتها السياسية، ستُبدي مرونة ضمنية حيال لبنان، فلا تطالبه إلا بما يستطيع فعله فعلاً.
وإن تجاوز لبنان العقبات الثلاث، فإن اتفاقًا مع صندوق النقد الدولي سيُصبح في المتناول، موفّرًا ما بين 3 و5 مليارات دولار، أي ما يعادل 10% من الناتج المحلي الإجمالي على الأقل. وهذا بدوره سيفتح الباب أمام تنظيم مؤتمر المانحين، الذي يُرجّح أن يُدرّ ما بين 7 و12 مليار دولار إضافية.
خلاصة القول، إن الطريق إلى الإنقاذ المالي اللبناني ممكن نظريًا، لكنه يمرّ حتمًا عبر هذه العقبات الثلاث، وكل تعثّر في إحداها سيكون كافيًا لإغلاق الباب أمام المسار الإصلاحي برمّته.
إعلان
يتم عرض هذا الإعلان بواسطة إعلانات Google، ولا يتحكم موقعنا في الإعلانات التي تظهر لكل مستخدم.






