إسحاق لـ "الأنباء": نظام الكفالة بنية إجرائية تفتقر للشرعية القانونية وعقد العمل الموحد "شكلي"
عبودية حديثة في لبنان تزداد شدة مع الحرب.. فكّكوا نظام الكفالة حالاً!
08 حزيران 2026
09:26
Article Content
في بلدٍ يئن تحت وطأة الحروب والانهيارات الاقتصادية والاجتماعية المتلاحقة، لا تنتهي فصول المعاناة عند حدود الصراع اليومي للبقاء على قيد الحياة، بل تلاحق العمال المهاجرين حتى بعد لفظ أنفاسهم الأخيرة.
وتحت مسمى "الآخرين" في السجلات الرسمية، تقبع جثامين مجهولة الهوية في برادات المستشفيات الحكومية، ملفوفة بأكياس بلاستيكية بيضاء، بانتظار دفن أو ترحيل بات متعذراً. وفي ظل تخلي بعض القنصليات وعجز أصحاب العمل، يبرز "نظام الكفالة" ليس فقط كأداة قانونية تُعمّق الاستغلال في الحياة، بل كجدار يعزل الموتى عن كرامتهم الإنسانية الأخيرة، في واقع يتبدى كأحد أشكال العبودية الحديثة.
بين أروقة مستشفى رفيق الحريري الحكومي في بيروت، تُختصر حياة كاملة بأحرف مبهمة مثل "Xyz"؛ وهو الرمز الممنوح لجثث مجهولة الاسم. عاملات منازل وعمال مهاجرون من إثيوبيا، وسيراليون، وكينيا، والسودان، فرّوا من بؤس الأوضاع في بلدانهم، ليجدوا أنفسهم ضحايا صراعات وقصفٍ لا يميز بين جنسية وأخرى.
وفي الوقت الذي توارى فيه أجساد المواطنين الثرى سريعاً، تظل جثامين المهاجرات محتجزة لشهور وأحياناً لسنوات في البرادات؛ نتيجة معادلة شديدة التعقيد.
اذ تفرض المستشفيات رسوماً يومية لحفظ الجثامين (تبدأ من 30 دولاراً)، وترفض تسليمها قبل سداد الفواتير المتراكمة التي تصل الى آلاف الدولارات. كما تكلف عملية إعادة الجثمان إلى الوطن عدة آلاف من الدولارات، وهو مبلغ يعجز عن تأمينه رفاق الضحية المفجوعون. كذلك، تواجه بعض الجاليات تقاعساً واضحاً من قنصلياتها، ناهيك عن العوائق التي تمنع دفن غير اللبنانيين في المدافن المحلية. ويضطر هذا التمييز بعض الجاليات (كالجالية السودانية) إلى الاعتماد على التضامن الذاتي لشراء مقابر خاصة في بعض المناطق البعيدة عن العاصمة كالشوف والبقاع، أو الاستعانة بالمقابر الفلسطينية.
لا يمكن قراءة هذه الأزمة بمعزل عن "نظام الكفالة"، وهو الإطار الذي يربط الوضع القانوني للعامل المهاجر بموافقة كفيل محدد (صاحب العمل)، ويمنحه سيطرة شبه مطلقة على حركته وحريته.
وفي حديث خاص لجريدة "الأنباء الإلكترونية:، فكّكت الأستاذة موهانا إسحاق، مديرة الشؤون القانونية والمناصرة في قسم مناهضة الاتجار بالنساء في منظمة "كفى"، الطبيعة القانونية لهذا النظام، مؤكدة أنه لا يمثل نظاماً قانونياً شرعياً أو منظماً بموجب القوانين النافذة. ووصفته بأنه عبارة عن مجموعة من التدابير والإجراءات الإدارية التي تحدد المسؤوليات بين الكفيل والعامل.
وأضافت أن "عقد العمل الموحد" المشتق من هذا النظام، والذي يحدد الحقوق والواجبات، يقتصر في معظم بنوده على جوانب شكلية فقط. مشيرة الى ان، جمعية "كفى" نجحت في تسجيل اقتراح قانون بالمجلس النيابي في كانون الأول 2024، يرمي إلى تنظيم العمل المنزلي وإدراج العاملين فيه ضمن قانون العمل. وحظي الاقتراح بتوقيع 8 نواب، إلا أن الأوضاع الأخيرة والمسار التشريعي الطويل حالا دون إدراجه حتى الآن.
وأشارت إسحاق إلى نجاح منظمة "كفى"، بالتعاون مع الأمن العام والنيابات العامة، في إلغاء الإجراءات الجزائية المترتبة على ترك العاملة لمنزل الكفيل، والاستعاضة عنها بإجراءات مدنية، مع إلغاء مصطلحات مثل "الفرار" أو "الهروب".
وأوضحت المقاربة القانونية في هذا الصدد، قائلة: "بموجب النظام القانوني العام، يكون صاحب العمل مسؤولاً عن العاملة طيلة فترة عملها لديه. وعندما تقرر العاملة مغادرة المنزل (مكان العمل)، فإن ذلك يعد فسخاً للعقد من جانبها، وهو ما يؤدي حكماً وبأثر فوري إلى إنهاء العلاقة التعاقدية بين الطرفين".
وشددت إسحاق على أن معالجة هذه الثغرات تستدعي إيجاد تنظيم قانوني شامل ومتكامل يتجاوز مجرد الاكتفاء بعقد العمل الموحد، وذلك للإجابة على الإشكاليات كافة المتعلقة بالدعم والمساعدة الطبية والإنسانية للعمال الذين يقومون بفسخ عقودهم، بانتظار إما مغادرتهم البلاد أو انتقالهم للعمل في مكان آخر.
إن استمرار هذا الوضع يشكل انتهاكاً صارخاً لمعاهدات حقوق الإنسان الدولية التي التزم بها لبنان.
وللخروج من هذا النفق المظلم، يتطلب الأمر حزمة من الإصلاحات الجوهرية:
1. إلغاء نظام الكفالة والتشريع الحِمائي
يبدأ الحل بتفكيك نظام الكفالة كلياً، واستبداله بعقود عمل قياسية تُنظمها الدولة مباشرة عبر وزارة العمل، بما يفصل بين الإقامة القانونية للعامل ورغبة صاحب العمل. ويتزامن ذلك مع ضرورة تعديل المادة 7 من قانون العمل اللبناني لشمول عاملات المنازل بالحقوق الحِمائية كافة (تحديد ساعات العمل، الحد الأدنى للأجور، وحق تغيير العمل دون موافقة الكفيل).
وفي هذا الإطار، أكدت إسحاق أن منظمة "كفى" تركّز جهودها بشكل أساسي على وضع وإصدار قوانين حديثة ومتطورة تنظم نظام العمل المنزلي، وتضمن حماية حقوق الطرفين (أصحاب العمل والعمال)؛ بما يتماشى مع المعايير الدولية، وبعيداً عن نظام الكفالة. وفي المقابل، أوضحت أن المنظمة لا تبحث في الوقت الحالي موضوع المدافن العامة أو تخصيصها.
2. إصلاح منظومة التأمين الإلزامي
يتطلب الواقع فرض رقابة صارمة على شركات التأمين بالتنسيق مع الأمن العام، لربط بوليصة التأمين بالرقم الوطني للعامل بدلاً من رغبة الكفيل، لضمان تغطية الطوارئ الطبية وتكاليف الوفاة والترحيل تحت أي ظرف كان.
وحول الواقع التأميني الحالي، أشارت إسحاق الى أن البنية الحالية للنظام تربط التأمين الطبي بعقد العمل ارتباطاً وثيقاً؛ وبالتالي، فإن فسخ عقد العمل يؤدي تلقائياً إلى توقف الموجبات المتبادلة بين الطرفين، بما فيها التغطية التأمينية.
ولفتت الى أن شركات التأمين تخضع لاعتبارات تجارية بحتة عند صياغة بوالص التأمين، حيث تقوم بدراسة تقديرية للمخاطر قبل تحديد شروط التغطية. وأكدت أن لا مانع قانوني يحظر إصدار بوالص تأمين تغطي العاملات بغض النظر عن وضع إقامتهن أو استمرارية عقودهن، إلا أن هذا الأمر يظل خاضعاً لطبيعة التعاقد الخاص بين العاملة (أو الجهة الممثلة لها) وشركات التأمين، بعيداً عن الصيغة الإلزامية المرتبطة بنظام الكفالة الحالي.
3. تفعيل الدور الدبلوماسي والرقابة على التحقيقات
يجب على وزارة الخارجية اللبنانية الضغط على سفارات الدول المصدرة للعمالة وقنصلياتها لتخصيص صناديق طوارئ لإعانة رعاياها، والاحتذاء بالنموذج الدبلوماسي لدول مثل الفلبين أو بنغلادش، والتي تتولى رعاية مواطنيها وتأمين ترحيلهم أو دفنهم فوراً على نفقة الدولة.
وعلى صعيد رصد الوفيات، أشارت إسحاق إلى غياب أي إحصاءات أو تقديرات رسمية دقيقة لدى المنظمة توثق أعداد جثامين العمال والعاملات المهاجرات المحتجزة في البرادات. كما لفتت إلى عدم توافر معلومات مثبتة حول مدى تأثير الحرب الجارية على زيادة أو تغيير معدلات الوفيات بين العمال.
وفيما يخص التحقيقات القضائية، أوضحت إسحاق أن المنظمة لا تملك صلاحية التدخل المباشر في التحقيقات المتعلقة بوفيات أو انتحار عاملات المنازل اللواتي تركن منازل كفلائهن. وبيّنت أن التدخلات القانونية للمهتمين والمدافعين تتركز عادة على قضايا التعنيف، الاستغلال، أو الاتجار بالبشر التي تقع من جانب الكفيل أو مكتب الاستقدام أثناء فترة العمل.
أما بشأن الإجراءات القانونية المتبعة عند وقوع الوفاة، فكشفت إسحاق أن النيابات العامة تفتح تحقيقاً فورياً في القضية، وتكلف أطباء شرعيين لمعاينة الجثة والتثبت من أسباب الوفاة، ورصد أي آثار عنف، تعنيف، أو اعتداء. غير أنها لفتت إلى أن نقص المعلومات والإثباتات المحيطة بظروف الوفاة يؤدي في معظم الحالات إلى حفظ القضية وإقفال الملف من دون توجيه اتهامات لجهات محددة.
4. إنشاء صندوق طوارئ ومقابر عامة للمهاجرين
يتعين على الدولة اللبنانية، بالتعاون مع المنظمات الدولية (مثل منظمة الهجرة الدولية IOM وجمعية اللاجئين اليسوعية)، إنشاء صندوق مالي لتغطية نفقات البرادات في المستشفيات الحكومية للحالات الإنسانية، وتخصيص مساحات مدافن عامة غير طائفية تكفل للمهاجرين، من مختلف الأديان والجنسيات، دفناً لائقاً.
إن بقاء جثامين العمال المهاجرين معلقة بين السماء والأرض في برادات بيروت هو انعكاس لخلل أخلاقي وبنيوي يتجاوز حدود أزمة الحرب ليصيب جوهر المنظومة القانونية. إن كرامة الإنسان لا تسقط بسقوط أوراقه الثبوتية أو انتهاء صلاحية عقده؛ والعدالة الحقيقية تبدأ بضمان إنسانية العمال في حياتهم، ولا تنتهي إلا بمواراتهم الثرى بسلام.
هؤلاء العاملات لسن أدوات أو أرقام مبهمة، بل هن أمهات وبنات وشقيقات تركن عائلاتهن خلف البحار لتأمين العيش الكريم. وإن استمرار الصمت على هذا التهميش الممنهج، وترك جثامينهن منسية، هو مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع. لقد حان الوقت لكسر قيود الكفالة وإعادة الإنسانية إلى بلدٍ يطمح لأن يكون منارة للحقوق والحريات.
إعلان
يتم عرض هذا الإعلان بواسطة إعلانات Google، ولا يتحكم موقعنا في الإعلانات التي تظهر لكل مستخدم.






