مستقبل الأمن الغذائي في مرآة التعاون العربي الصيني.. حقول مشتركة وسلال ممتلئة
03 حزيران 2026
12:53
Article Content
يمثل التعاون الزراعي بين العالم العربي وجمهورية الصين الشعبية طوق نجاة استراتيجي وركيزة أساسية لتحقيق الأمن الغذائي المستدام في ظل الأزمات الجيوسياسية والمناخية المتصاعدة التي تهدد سلاسل الإمداد العالمية. وتكتسب هذه الشراكة أهمية استثنائية بالنظر إلى اتساع الفجوة الغذائية العربية، حيث تستورد المنطقة العربية أكثر من 50% من احتياجاتها الغذائية، فيما تتجاوز فاتورة الاستيراد الغذائي العربية 100 مليار دولار سنويا، وتعاني من هدر غذائي يصل إلى 19%، وهو ما يعادل خسارة ما بين 75 و130 كيلوغراماً من الغذاء للفرد سنويا، في بيئة يعاني فيها شخص من بين كل 6 أشخاص من انعدام شديد في الأمن الغذائي.
لم يكن التعاون الزراعي العربي الصيني وليد اللحظة، بل شهد محطات تحولية مهمة بدأت في خمسينيات القرن الماضي من خلال تبادل المساعدات الزراعية التقليدية، وتوقيع اتفاقيات ركزت على الهبات.
ومنذ إطلاق البناء المشترك لـ "الحزام والطريق" عام 2013 شهد هذا التعاون تطورا متسارعا، حيث انتقلت العلاقات الزراعية من مستوى التبادل التجاري المحدود إلى شراكات استراتيجية تشمل الاستثمار الزراعي، وتطوير التقنيات الحديثة، والتعاون في مجالات الري والأسمدة والمعدات الزراعية، إضافة إلى الأمن الغذائي وتخزين الحبوب وتبادل الخبرات العلمية والتكنولوجية.
أصبحت الصين من أكبر مستوردي المنتجات الزراعية العربية، لا سيما التمور والحمضيات والزيوت والأسماك، فيما باتت الدول العربية سوقا واسعة للمنتجات والتقنيات الزراعية الصينية.
ومنذ انعقاد القمة العربية الصينية الأولى في الرياض في ديسمبر 2022، انطلقت الشراكة إلى آفاق غير مسبوقة، حيث أطلقت الصين "الأعمال الثمانية المشتركة"، والتي تضمنت بنودا صريحة للأمن الغذائي عبر تعهدات ببناء 5 مختبرات زراعية حديثة مشتركة، وإرسال 500 خبير زراعي صيني إلى المنطقة العربية، فضلا عن دعوة 100 عالم شاب، وتقديم تدريب مهني لنحو 10 آلاف موهبة عربية في مجالات التنمية الخضراء ومكافحة الفقر.
تقود المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات، تعاونا نوعيا يركز على تكنولوجيا المستقبل الزراعي والتجارة البينية، حيث تجاوز حجم التبادل التجاري الإجمالي بين الصين والسعودية 100 مليار دولار لسنوات متتالية، في حين شهدت الإمارات تجارب رائدة بالتعاون مع جامعة تشونغتشينغ الصينية لتحويل 10 كيلومترات مربعة من الأراضي القاحلة في أبوظبي إلى أراض زراعية صالحة عبر تقنيات مبتكرة لخلط الرمال بالمواد العضوية.
ولا يقتصر التعاون على التبادل التجاري الصرف، بل يتسع ليشمل منظومة متكاملة من المدخلات والمخرجات الزراعية، حيث تتدفق التكنولوجيا الصينية المتمثلة في الجرارات الذكية، وأنظمة الري بالتنقيط الموفرة للمياه، والطائرات المسيرة (الدرونز) المخصصة لمراقبة ورش المحاصيل، لتساهم في خفض تكاليف الإنتاج في البيئات العربية الجافة.
كما تمثل الصين مصدرا حيويا للأسمدة والمبيدات والأدوية البيطرية، التي تساهم في تأمين مدخلات الإنتاج الكيماوية والعضوية لحماية المحاصيل العربية من الأوبئة وتغذية التربة، لا سيما في أوقات تذبذب الأسعار العالمية وتأثر سلاسل الإمداد التقليدية.
ويتم عبر التدريب المستمر وورش العمل تبادل الخبرات، ونقل تجربة الصين الرائدة في "الزراعة الرقمية" وإدارة مخازن الحبوب والحد من خسائر ما بعد الحصاد. بحيث تتيح الاتفاقيات الجمركية التفضيلية تسهيل نفاذ المنتجات الزراعية العربية إلى السوق الصيني الضخم الذي يستورد وحده نحو 111.8 مليون طن من فول الصويا سنويا لتلبية احتياجات الثروة الحيوانية، وفي المقابل تأمين تدفق السلع الغذائية الصينية إلى الأسواق العربية بأسعار تنافسية.
لذلك، يتسم التعاون الزراعي العربي الصيني بخصائص فريدة تمنح كلا الجانبين ميزات استراتيجية واضحة، فالجانب العربي يستفيد من التقنيات الصينية المتطورة جدا، لمواجهة الشح المائي والتصحر، وزراعة الأراضي الجافة والمناطق القاحلة، وتحويل المساحات الصحراوية المترامية إلى أراض منتجة، وهو ما تحتاجه الدول العربية، التي تعاني من فقر مائي مدقع، ويساهم نقل التكنولوجيا في رفع نسب الاكتفاء الذاتي العربي من المحاصيل الاستراتيجية، ويقلل الارتباط بالتقلبات السعرية والسياسية في الأسواق الغربية.
في المقابل تستفيد الصين من تنويع سلاسل الإمداد ومصادر الغذاء، حيث تسعى بكين بشكل حثيث لحماية أمنها الغذائي عبر تنويع شركائها التجاريين والاستثماريين في الخارج، وتأمين موطئ قدم لاستثماراتها الزراعية، إضافة إلى فتح أسواق جديدة للمنتجات التكنولوجية، سيما وأن المساحات الزراعية والمشاريع التنموية في الدول العربية، تمثل سوقا استيعابية ضخمة للأسمدة والمعدات والتقنيات التي تنتجها الشركات الصينية.
إن التعاون العربي الصيني في القطاع الزراعي ليس مجرد صفقات تجارية عابرة، بل هو خيار استراتيجي حتمي تفرضه معطيات العصر ومقتضيات الجغرافيا السياسية المناخية. وإن استمرار الاستثمار في المختبرات المشتركة، وتوسيع نطاق تبادل المدخلات الزراعية والخبرات التقنية، سيمهد الطريق لبناء طوق أمان حقيقي يحمي الشعوب العربية والصينية على حد سواء من شبح انعدام الأمن الغذائي، ويؤسس لنموذج يحتذى به في تعاون "الجنوب-الجنوب" من أجل تنمية مستدامة واكتفاء راسخ.
إعلان
يتم عرض هذا الإعلان بواسطة إعلانات Google، ولا يتحكم موقعنا في الإعلانات التي تظهر لكل مستخدم.






