جبل السماق: حيث تعانق الصخور السماء والكرامة
01 حزيران 2026
09:12
Article Content
يقع جبل السماق في محافظة إدلب، ويُعتبر أهالي جبل السماق في ريف إدلب نموذجًا للصبر والتمسك بالأرض والبساطة، رغم قسوة الظروف المعيشية التي تحيط بهم.
كان الجبل عبر التاريخ موطنًا للموحدين (الدروز) منذ بداية الدعوة في الدولة الفاطمية في مصر، حيث وصلتهم رسائل خاصة تدعو إلى دين التوحيد، من أبرزها رسالة جبل الأنور وجبل السماق وشعر النفس. ورغم ما تعرض له السكان من مضايقات على مر العصور، بدءًا من محنة أنطاكية في القرون الوسطى، مرورًا بأحداث الجبل عام 1815م، وصولًا إلى مجزرة قلب لوزة عام 2015م على يد الجماعات الظلامية، إلا أن هذه المحطات القاسية لم تزعزع تمسكهم بأرضهم، ولا دفاعهم عنها، ولا تماسكهم الداخلي.
هاجر عدد كبير من أبناء الجبل إلى لبنان، ثم إلى جرمانا والسويداء، وحتى إلى الجليل. ورغم المسافات، بقيت العائلات على تواصل وثيق، وازدادت أواصرها مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي. أما الواقع الاقتصادي فقاسٍ، والجغرافيا وعرة ومعزولة. صخور الجبل قاسية وظروفه صعبة، لكن أبناءه اختاروا العمل والاستثمار فيه ليلًا ونهارًا، متعاونين متماسكين، يربطهم تاريخ مشترك ومكان واحد.
للطبيعة هنا حضور استثنائي: زهور وورود، هواء نقي، لا مدن قريبة، لا دخان، لا ضجيج، لا معامل. بيئة صافية تنقّي الذهن، حيث ليالي الصيف الصافية وربيع جميل بين أشجار الزيتون المعمّرة واللوز والتين المبارك. ومن بين الصخور ينبض تاريخ حضارة رومانية، عاش فيها رهبان وزهاد اختاروا هذه المنطقة للتعبد. وما تبقى من معابد وكنائس بيزنطية في قرى الجبل هو شاهد على عصر ازدهار ورخاء، اختاره النساك مكانًا للعبادة.
اختار كثير من أبناء الجبل السفر والاغتراب والدراسة، فخرج منهم الأطباء والمهندسون وأساتذة في جامعات دمشق وحلب، ووصلوا أيضًا إلى جامعات الاغتراب في ألمانيا وأوروبا وروسيا. وخلال الحرب السورية، دفع أبناء جبل السماق ثمنًا باهظًا خلال أربعة عشر عامًا من الحرب: فقدان أبنائهم، تغييبهم في سجون النظام، وارتقاء من كانوا مجندين فيه ولم يستطيعوا الانشقاق، فضلًا عن الضحايا المدنيين في مجزرة قلب لوزة على يد من يُعرف بـ"السفاح التونسي"، والعديد ممن قضوا نتيجة النهب والسرقة في فترة غياب الدولة.
أما العادات والتقاليد والعلاقات، فيمارس أبناء الجبل حياتهم بعاداتهم وتقاليدهم، ويشاركون بعضهم الأفراح والأحزان، وتربطهم علاقات طيبة مع جيرانهم، ورسوها عبر الأجيال من الأجداد إلى الأحفاد. هذه العلاقات هي اليوم ثمار قرون من العيش المشترك بحلوها ومرّها.
ولنتحدث عن الصفات والطباع، قيل إن "بني معروف" يختارون الجبال سكنًا، مما يمنحهم قوة وصلابة، لكنهم مع ذلك يتسمون بالطيبة والبساطة، لا يعتدون على أحد، ويحافظون على وجودهم، وفيهم كل الصفات العربية الأصيلة: الكرم، الشجاعة، وحب الضيف.
أما عن الموقف الوطني، فقد عبّر أهالي جبل السماق أكثر من مرة عن دعمهم الثورة السورية ضد نظام بشار الأسد. ففي فترة الثورة، استقبل الجبل آلاف العائلات النازحة من مختلف المناطق، وشارك شبابه مع الثوار وعملوا في المنظمات الإنسانية. وبعد التحرير، كان لهم موقف وطني ثابت برفض التقسيم، مؤكدين أنه لا بديل لهم عن الوطن سوريا.
إعلان
يتم عرض هذا الإعلان بواسطة إعلانات Google، ولا يتحكم موقعنا في الإعلانات التي تظهر لكل مستخدم.






