سلام: لا إنقاذ للبنان من دون العودة إلى منطق الدولة
15 أيار 2026
20:34
Article Content
أقامت جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية حفل تكريم لرئيسها السابق فيصل سنّو في AVA Avenue، في حضور رئيس الحكومة نواف سلام، الذي أكد في المناسبة أن “أي إنقاذ فعلي للبنان اليوم يستحيل أن يتم من دون العودة الواضحة إلى منطق الدولة”.
كلمة سلام
قال الرئيس سلام: “نجتمع اليوم لنقف أمام تجربة وطنية وإنسانية وتربوية وثقافية تركت أثرها العميق في بيروت ولبنان، ولنقول كلمة وفاء لرجلٍ حمل أمانة جمعية المقاصد في مرحلةٍ كانت من أصعب المراحل التي مرّ بها وطننا في تاريخه الحديث.
إن تكريم رئيس مغادر لجمعية المقاصد ليس مناسبة إدارية عابرة، لأن المقاصد نفسها ليست مؤسسةً عادية. إنها ركن أساسي من ذاكرة بيروت، ومن روّاد الانفتاح والعلم والعمل الاجتماعي في لبنان. فمنذ تأسيسها، شكّلت جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية في بيروت مدرسةً في الجمع بين الإيمان والمعرفة، بين الانتماء الوطني والرسالة الإنسانية، وبين الأصالة والتحديث.
لقد عرف اللبنانيون المقاصد منارةً للتربية، وحاضنةً للطبابة، وقدوةً في الخدمة الاجتماعية، وعنوانًا للوطنية الصادقة. وعندما اهتزّ البلد تحت وطأة الأزمات الاقتصادية والمالية والسياسية المتراكمة، بقيت هذه المؤسسة تقاوم بصمت وكبرياء، لأن فيها رجالًا ونساءً آمنوا بأن خدمة الناس ليست خيارًا، بل واجب أخلاقي ومسؤولية مجتمعية”.
أضاف: “أيها الحفل الكريم، نكرّم اليوم رئيسًا غادر الموقع لكنه لا يغادر الرسالة. نكرّم رجلًا تولّى المسؤولية في زمن الانهيار لا في زمن الوفرة، في زمن القلق لا في زمن الاستقرار، فاختار وزملاؤه في مجلس الأمناء أن يتمسّكوا بالمؤسسة، وأن يحفظوا دورها الوطني والتربوي والإنساني.
لقد أثبت الدكتور فيصل سنّو خلال مسيرته أن الإدارة ليست مجرد قرارات وأرقام وموازنات، بل رؤية وصبر وشجاعة، وأن المؤسسات العريقة لا تعيش بماضيها وحده، مهما كان غنيًا، بل بالقدرة على التكيّف والتجدّد والانفتاح على الأجيال الجديدة”.
وتابع: “مثلما أوجّه اليوم أصدق تحية تقدير واحترام وامتنان للدكتور فيصل على كل ما قدّمه إلى المقاصد، يهمّني في الوقت نفسه أن أجدّد التهاني إلى الرئيسة الجديدة المهندسة ديانا طبارة، وهي المرأة الأولى التي تتولى هذا المنصب في تاريخ جمعيتنا العريق. ولا شك عندي أن انتخابها يحمل دلالة حضارية ووطنية عميقة، تؤكد أن المقاصد تبقى وفية لرسالتها الريادية ولروح مؤسسيها الأوائل.
ولو قُدّر لـ عبد القادر القباني وصحبه في “الفجر الصادق” من الآباء المؤسسين أن يكونوا بيننا اليوم، لكانوا سعداء وفخورين بهذا الخيار، لأنهم كانوا من المؤمنين الحقيقيين بضرورة تمكين المرأة في مجتمعنا، لا بالشعارات، بل بالفعل والمبادرة.
ويكفي أن نتذكّر أن أول عمل قامت به المقاصد كان تأسيس مدرسة للبنات، في زمنٍ كان تعليم الفتاة فيه خطوةً جريئة واستثنائية.
فقد أدرك أولئك الرواد أن نهضة المجتمع لا يمكن أن تتحقق إذا بقي نصفه مُهمَّشًا أو مُقصيًّا عن المشاركة والقيادة”.
وأكد سلام: “بلدنا يمرّ بأخطر أزمة منذ قيام الدولة اللبنانية. لسنوات طويلة، جرى التعامل مع الدولة كأنها غنيمة، لا كإطار جامع لكل اللبنانيين. ضُربت هيبة المؤسسات، وتفككت الإدارة العامة، وتراجع الاقتصاد، وضاعت الحدود بين العام والخاص، حتى وصل اللبناني إلى الشعور بأن دولته لم تعد قادرة على حمايته أو تأمين أبسط مقومات العيش الكريم، مما نتج عنه أزمة ثقة عميقة بين المواطن والدولة.
وكيف لأي بلد أن يستعيد عافيته إذا بقي شبابه يهاجرون، وطبقته الوسطى تتآكل، وجامعاته ومستشفياته ومدارسه تكافح للبقاء؟
إن أي إنقاذ فعلي للبنان اليوم يستحيل أن يتم من دون العودة الواضحة إلى منطق الدولة: دولة تكون سيّدة قرارها، وتحترم دستورها، وتطبّق قوانينها على الجميع، وتعيد بناء إدارتها على أسس الكفاءة والمحاسبة والشفافية. فالدولة التي نريد هي دولة المواطنة المتساوية، دولة المؤسسات الفاعلة، دولة القضاء المستقل والإدارة الحديثة. وهذه الدولة لا تقوم إلا بقرار وطني واحد هو قرار مؤسساتها الدستورية، وسلاح واحد هو سلاح جيشها الوطني، وقانون واحد لا يعلو عليه أحد ولا يبقى خارجه أحد.
كفانا مغامرات عبثية في خدمة مشاريع ومصالح أجنبية… وآخرها حرب لم نخترها بل فُرضت علينا، وقد أدّت إلى احتلال إسرائيل 68 بلدة وقرية وموقعًا، بعدما كنا نسعى لإخراجها من خمس نقاط. وبعد كل هذا، مع ما حمله من قتل ودمار ونزوح ومآسٍ، يطلّ علينا من يحاول أن يستخف بعقولنا ويسمّي ذلك انتصارات!
وكفانا تحريضًا وتخوينًا. فهذا لا ولن يرهبنا. فنحن ثابتون على خياراتنا الوطنية، أقوياء بدعم غالبية اللبنانيين لها.
فالأكيد أن لا خروج لنا من محنتنا إلا بمواجهة الحقيقة كاملة، على مرارتها، كي نتمكن معًا، أي جميعًا دون إقصاء أو استقواء، من تحصين بنياننا الداخلي وتدعيم مؤسساتنا وحشد كل الدعم العربي والدولي لتعزيز موقفنا في المفاوضات الصعبة التي بدأت بالأمس، كما في المحافل الدولية التي توجّهنا إليها لإرسال بعثة أممية لجمع الأدلة والوقوف على الجرائم التي ترتكبها إسرائيل”.
وقال: “في خضم هذا المسار، تبرز أهمية دور الجمعيات العريقة مثل المقاصد. فلبنان لا يقوم فقط على سلطاته السياسية، بل أيضًا على شبكة المؤسسات المدنية والتربوية والثقافية التي حافظت عبر العقود على صيغة العيش المشترك وقيمة الاعتدال وروح الانفتاح.
وإذا كان هناك ما يجب أن نتعلمه من السنوات الماضية، فهو أن حماية لبنان الوطن تكون أولًا ببناء الإنسان، وبالاستثمار في التعليم، وبترسيخ ثقافة المواطنة، وبإعادة الاعتبار للكفاءة والنزاهة في الحياة العامة.
أيها الأحبة، في الختام، نسأل الله أن يحفظ لبنان، وأن يعيد إلى بيروت دورها ومكانتها.
فبيروت التي نعشق ليست مجرد مدينة. إنها تجربة رائدة في الحرية، والتنوير، والعيش معًا، والقدرة الدائمة على التجدّد.
وقد مرّت على هذه المدينة الفريدة حروب وأزمات واغتيالات وانفجارات، لكنها كانت في كل مرة ترفض الاستسلام لقدر ليس قدرها، وتنهض لأن فيها مؤسسات تشبه المقاصد، ورجالًا ونساءً يحبّون الحياة. عشتم، وعاشت المقاصد، وعاش لبنان”.
وسام الأرز
عاد الرئيس سلام وتوجّه إلى الدكتور فيصل سنّو بالآتي: “قرر فخامة رئيس الجمهورية، العماد جوزاف عون، منحكم وسام الأرز الوطني من رتبة ضابط، تقديرًا لجهودكم الاجتماعية والإنسانية، وقد كلّفني، فأتشرّف بدوري أن أُسلّمكم إيّاه، متمنيًا لكم دوام التوفيق والنجاح”.
إعلان
يتم عرض هذا الإعلان بواسطة إعلانات Google، ولا يتحكم موقعنا في الإعلانات التي تظهر لكل مستخدم.






