وليد جنبلاط والدور كبير على طريق طويل
11 أيار 2026
10:04
آخر تحديث:11 أيار 202610:11
Article Content
أوّل من لاقى الرئيس السوري أحمد الشرع في الحاجة إلى بناء ذاكرة جماعية جديدة تربط اللبنانيين والسوريين بعضهم ببعض هو الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط. وقد بان ذلك جلياً في أول اجتماع له في سوريا الجديدة فكان أول زعيم عربي، أو حتى على الصعيد العالمي، يحطّ رحاله في دمشق بعد أسبوعين فقط على تحرير سوريا ودخول الشرع قصر الشعب.
ولأنّ وليد جنبلاط يدرك أن بناء ذاكرة جماعية جديدة للشعبين اللبناني والسوري مسار شاق وطويل يحتاج إلى سنوات من العمل، ويبدأ بالتخلّص من إرث حقبة الأسد، كان هدفه الأول، حلّ المجلس الأعلى السوري ـ اللبناني، الذي كان لسنوات طويلة أحد أهم أذرع الوصاية السورية على لبنان، وهو انبثق عن معاهدة الأخوّة والتعاون والتنسيق التي وُقّعت بين إلياس الهراوي وحافظ الأسد في 22 أيار 1991.
جنبلاط: "إن الطريق طويل"
وليد جنبلاط ومن قصر الشعب آنذاك تحدّث عن وجوب إلغاء 42 اتفاقية بين البلدين، تضع مصلحة نظام الأسد وقبضته على الشعبين السوري واللبناني قبل أي هدف آخر. وعليه، كانت الزيارة الأولى آنذاك، في الثاني والعشرين من كانون الأول 2024، بمثابة خطة عمل واضحة تُنهي حقبة يناهز عمرها خمسة عقود، كانت الدولة اللبنانية فيها أسيرة من نصبّ نفسه والياً على الشام أي حافظ الأسد. وكان كلام جنبلاط واضحاً يومها حيث تمنّى أن تعود العلاقات اللبنانية ـ السورية إلى الأصول الطبيعية من خلال العلاقات الدبلوماسية عبر السفارات، مضيفاً: "إن الطريق طويل".
وبعد الزيارة الأولى لوليد جنبلاط، جرت مباحثات لرئيس الحكومة الأسبق نجيب ميقاتي في 11 كانون الثاني 2025، بعد يومين من انتخاب الرئيس جوزاف عون وقبل تكليف القاضي نواف سلام تشكيل الحكومة. يومها، اقتصرت المباحثات على التنسيق والتعاون الأمني بين البلدين في تأمين الحدود البرية ومتابعة ترسيم الحدود، وأشار ميقاتي حينها إلى أن الجانبين اتفقا على ضرورة البدء بضبط التهريب عبر الحدود.
ومع وصول الرئيس نواف سلام إلى رئاسة الحكومة واكتمال صورة السلطة التنفيذية الجديدة، بقي "الحذر" سمة التعاطي اللبناني مع سوريا، حتى إنّ التعاون والتنسيق الأمني لم يتقدّما كما يجب، ما استدعى تدخلاً سعودياً، فعُقد في 28 آذار 2025 اجتماع في جدة جمع وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان بوزير الدفاع اللبناني ميشال منسى ونظيره السوري مرهف أبو قصرة، ووقّع الوزيران اتفاقاً يؤكد الأهمية الاستراتيجية لترسيم الحدود بين البلدين، ويعلن تشكيل لجان قانونية ومتخصصة بينهما في عدد من المجالات، وتفعيل آليات التنسيق للتعامل مع التحديات الأمنية والعسكرية، ولا سيما ما قد يطرأ على الحدود بينهما.
تصحيح المسار في العلاقات
وعقب ذلك الاجتماع الذي أتى بدعوة من ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، زار الرئيس سلام قصر الشعب للمرة الأولى في 14 نيسان 2025 برفقة وزير الخارجية والمغتربين يوسف رجي ووزير الدفاع ميشال منسى ووزير الداخلية والبلديات أحمد الحجار، وكانت المباحثات أمنية وسياسية، وهدفها تصحيح المسار في العلاقات مع الدولة السورية الجديدة، وكان الاتفاق على تشكيل لجان متخصصة لمعالجة جملة من الملفات.
عاد الوفد إلى بيروت، فتشكّلت بعض تلك اللجان، فيما تهرّب وزراء من متابعة ملفاتهم في هذا السياق، وبرز عمل دؤوب قاده نائب رئيس الحكومة طارق متري لمعالجة إحدى ندوب المرحلة السابقة، وأبرزها وهو ملف الموقوفين السوريين، البالغ عددهم نحو 3000 موقوف، والذين بمعظمهم اعتقلوا لتأييدهم من يحكم اليوم في سوريا.
وبعد ستة أشهر من اجتماعات الرئيس سلام، وبسبب التعثر في معالجة ما من شأنه طيّ صفحة الماضي وفتح صفحة الدبلوماسية المشروعة بين البلدين، خرج وليد جنبلاط في تشرين الأول الماضي مذكّراً بأهمية ضبط الحدود والتنسيق الأمني وضرورة تفعيل القضاء اللبناني، ومؤكداً أن ذلك تماماً ما يسعى إليه الرئيس نواف سلام. لكنه قالها بصراحة: "إن بعض الجهات السياسية في لبنان لم تستوعب التاريخ، ولم ترَ بعد أن حكم البعث والأسد قد سقط". حتى إنه غمز من قناة "حلف الأقليات"، قائلاً إنّ البعض روّج لهذا الحلف لعقود وهندس العلاقات اللبنانية ـ السورية انطلاقاً من مضامينه. وليد جنبلاط وقتذاك وعبر الاخبارية السورية تحدّث أيضاً عن رواسب النظام السوري من ضباط وأمنيين يهدّدون استقرار لبنان وسوريا ويقيمون في لبنان أو في مناطق سورية معينة مثل جبل العرب وجبال الساحل. جنبلاط، خرج بهذا الملف إلى العلن حرصاً على أمن واستقرار البلدين فيما بقي مسؤولون لبنانيون أمنيون وسياسيون يكذّبون ذلك، رغم كل الأدلة والاستنابات القضائية الأوروبية.
وما بين نداء جنبلاط في تشرين الأول 2025 واجتماعه الأخير مع الشرع في نيسان 2026، لم يتحقق الكثير، في ظل بقاء البعض، ومنهم في السلطة، أسرى نظرية حلف الأقليات، التي تجعل التوجّس من سوريا الجديدة أقوى من الفرص الإنمائية والاقتصادية التي قد يجنيها لبنان وشعبه إذا تأسست علاقات لبنانية ـ سورية رسمية سليمة، كما يجب، لاسيما أن أواصر ثقافية وتاريخية واجتماعية تربط الشعبين.
وعليه، وانطلاقاً من حرصه على المضي قدماً في تسكير دفاتر الماضي وفتح صفحة جديدة من العلاقات الرسمية المفيدة، ذهب وليد جنبلاط رجل الدولة لا السلطة ولا الطائفة، للقاء الرئيس الشرع في 25 نيسان 2026، استمع منه إلى ما يعيق التقدّم في العلاقات، فتلت زيارته حركة وطنية بارزة بدأت من السراي الحكومي، في اجتماع ضمّ جنبلاط والرئيس نواف سلام في حضور النائب وائل أبو فاعور، حيث جرى التشاور في سبل تعزيز العلاقات اللبنانية ـ السورية والنهوض بها أخيراً، وكان هناك تشخيص مشترك مع رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون لكل التفاصيل التي تعيق النهوض بهذه العلاقة، وهي في حقيقتها مرتبطة بثقة الطرفين ببعضهما البعض.
جنبلاط التمس من الشرع، بحسب معلومات "المدن"، حماسة سورية لإشراك لبنان في خطط إنمائية واقتصادية تأتي من العمق العربي، ونقل إلى سلام هذه الحماسة، وهي بالأحرى فرصة للبنان لفتح آفاق اقتصادية وسياسية رحبة تعزز استقرار البلدين وتوفّر للبنان الكثير من الفرص والإمكانات. فكانت زيارة سلام مع وفد وزاري متقن للاستفادة من "الفرص" في سوريا والمضي قدماً في مسار طويل يبدأ ببناء الثقة واقتناع السلطات بما يقتنع به الشرع وجنبلاط وهو أنّ الشعبين يستحقان ذاكرة جماعية جديدة عن بعضهما البعض.
إعلان
يتم عرض هذا الإعلان بواسطة إعلانات Google، ولا يتحكم موقعنا في الإعلانات التي تظهر لكل مستخدم.






