جرائم جنود الجيش الإسرائيلي تلاحقهم.. كوابيس من غزة والجنوب
07 أيار 2026
15:15
Article Content
"كنت أطلق النار بجنون… قالوا إنني بطل، لكنني شعرت أنني وحش".
بهذه العبارة يختصر جندي إسرائيلي، في شهادة نشرتها صحيفة "هآرتس"، التناقض الحاد بين الرواية الرسمية للحرب وما يعيشه الجنود في الميدان. لكن هذه الشهادة ليست وحدها، بل تأتي ضمن سلسلة روايات متقاطعة لجنود شاركوا في العمليات داخل قطاع غزة، تتحدث عن إطلاق نار على مدنيين، تعذيب معتقلين، ونهب ممتلكات، لتطرح سؤالاً يتجاوز تفاصيل المعارك: ماذا يكشف هذا السلوك عن طبيعة الحرب نفسها، وربما عن طبيعة الدولة التي تخوض هذه الحرب؟
في أكثر من شهادة، يظهر نمط متكرر يصعب تجاهله. يتم تحديد "مشتبه بهم" عبر وسائل مراقبة عن بعد، تُعطى الأوامر بإطلاق النار، ثم يأتي الاكتشاف لاحقاً بأن المستهدفين لم يكونوا مقاتلين. في إحدى الحالات، كان الشهداء رجل مسن يرافقه ثلاثة مراهقين غير مسلحين. وفي حادثة أخرى تتحدث جندية احتياط تُعرف باسم "مايا" عن إطلاق نار على خمسة فلسطينيين من دون التأكد من كونهم مسلحين، ما أدى إلى مقتل أربعة منهم. الناجي الوحيد، بحسب روايتها، اعتُقل وتعرض للإهانة قبل أن يُفرج عنه لاحقاً بعد التأكد من أنه مدني، معلقةً: "فقد الجميع السيطرة… شعرت بالقذارة".
لا يبدو الأمر هنا كخطأ فردي، بل كطريقة عمل، بحيث تسبق القوة التحقق، وتأتي الحقيقة بعد فوات الأوان.
هذا النمط يتضح أكثر في شهادة جندي تحدث عن حادثة إطلاق النار على رجل أعزل رفع يديه فور اقترابه من موقع عسكري، فوُصفت الحادثة بأنها "جريمة قتل"، لكن شيئاً لم يتغير بعد ذلك. لم يُفتح تحقيق، ولم تُتخذ إجراءات، وكأن المشكلة لا تكمن في الفعل نفسه، بل في غياب أي آلية لمحاسبته.
لكن ما تكشفه هذه الشهادات لا يتوقف عند حدود القتل. الجنود يتحدثون أيضاً عن تعذيب معتقلين خلال التحقيق، عن إهانة محتجزين، وعن نهب منازل وتخريب ممتلكات شخصية. هذه الممارسات، كما يصفها بعضهم، كانت جزءاً من واقع يومي داخل بعض الوحدات. والأخطر من ذلك أنها لم تكن تُقابل دائماً بالرفض، بل أحياناً بالصمت.
غير أن التحول الأهم يظهر في ما يقوله الجنود عن أنفسهم بعد انتهاء العمليات. يتحدثون عن كوابيس لا تتوقف، عن عجز عن النوم، وعن شعور دائم بالذنب. أحد القناصين قال إنه لم يعد قادراً على إغلاق عينيه من دون أن يرى وجوه من قتلهم، وهنا يبرز مفهوم "الإصابة الأخلاقية" بحسب علم النفس، الذي لا يتوقف عند هذا الحد، بل يعاني بعض الجنود أيضاً من "اضطراب ما بعد الصدمة" الذي من الممكن أن يؤدي الى الهذيان والفصام في الحالات المتقدمة بحسب محللين نفسيين، وكأن الحرب لم تنتهِ عند حدود الميدان، بل استمرت داخلهم.
غير أن هذه الشهادات تكتسب بعداً أكثر خطورة عندما توضع داخل إسرائيل نفسها. في مقال بعنوان "روح الجيش الإسرائيلي وروح الدولة" (هآرتس، 29 نيسان 2026)، يرى الصحافي تسفي برئيل أن الجيش الإسرائيلي لا يمكن فصله عن الدولة، وأن "روح الجيش" ليست كياناً مستقلاً، بل امتداد مباشر للقيم السياسية والاجتماعية السائدة، مشيراً إلى أن "روح الجيش تشم رائحة الحكومة وتتغذى عليها". هذا الطرح يضع سلوك الجنود في إطار أوسع، حيث لا يعود ما يحدث في الميدان مجرد تجاوزات فردية، بل انعكاس لبنية قيمية وسياسية قائمة.
وهنا لا يعود السؤال ما إذا كان الجنود قد تجردوا من إنسانيتهم بفعل مشاهد الحرب والدمار، بل ما إذا كانوا ينفذون ما يُطلب منهم ضمنياً أو صراحة؟ فالتناقض الذي يُفترض وجوده بين "قيم الجيش" و"قيم الدولة" قد لا يكون موجوداً أصلاً، كما يرى برئيل، لأن القيم التي تحكم السلوك في النهاية تُصاغ على مستوى الدولة، لا في كتيب أخلاقي داخل المؤسسة العسكرية.
هذا الطرح يتقاطع مع تحليل آخر نشرته صحيفة "هآرتس" بعنوان"نتنياهو تبنى رؤية أمنية جديدة، لكن هذه الرؤية لا تعتبر أمناً" (1 أيار 2026)، للصحافي عاموس هرئيل، الذي يشير إلى أن الاستراتيجية الأمنية الحالية تقوم على استخدام القوة بشكل مستمر، من دون أفق سياسي واضح، ما يؤدي إلى استنزاف الجيش ورفع العبء النفسي على الجنود، مضيفاً أن هذا النهج بدأ يثير تساؤلات داخل الوحدات نفسها حول جدوى العمليات، في ظل غياب تخطيط استراتيجي واضح وتحوّل السياسة إلى إدارة دائمة للحرب بدل السعي لإنهائها.
في هذا السياق، لم تعد ظاهرة رفض بعض الجنود العودة إلى القتال، كما وثقتها تقارير وكالة "أسوشيتد برس"، مجرد حالات فردية، كما أن ارتفاع الاضطرابات النفسية بين الجنود، الذي أشارت إليه تقارير ، يعكس أن الثمن لا يُدفع فقط في الميدان، بل بعده أيضاً.
في المقابل، يواصل الجيش الإسرائيلي زعمه تأكيد التزامه بالقانون الدولي، وأنه يحقق في أي ادعاءات بوقوع انتهاكات. لكن الفجوة بين هذه الرواية الرسمية وشهادات الجنود أنفسهم تظل قائمة، وتطرح سؤالاً لا يمكن تجاوزه: هل هذه الأفعال استثناءات، أم جزء من طريقة إدارة الحرب؟
هذه الشهادات لا تكشف فقط ما جرى في غزة، بل تشير إلى تصدّع داخلي آخذ بالتشكل داخل الجيش. ومع اتساع الشك بين الجنود أنفسهم، يبرز سؤال أكثر خطورة: هل نحن أمام أزمة انضباط عابرة… أم بداية صدام بين المؤسسة العسكرية والقيادة السياسية تمهّد لانقلاب داخل إسرائيل؟
إعلان
يتم عرض هذا الإعلان بواسطة إعلانات Google، ولا يتحكم موقعنا في الإعلانات التي تظهر لكل مستخدم.






