نحن لا نبكي
06 أيار 2026
09:12
آخر تحديث:06 أيار 202609:13
Article Content
حين قال وليد جنبلاط في برنامج "شاهد على العصر": "نحن لا نبكي"، بتلك الغصة الخفيفة التي ارتجفت في صوته، شعرتُ بأن قلبي ارتجف معه. لم تكن العبارة مجرد كلمات عابرة، بل بدت كجرح مفتوح ينزف كبرياء وذاكرة وتاريخاً طويلاً من الصمود. تلك الغصة لم تُقرأ كعلامة ضعف، بل كقوة هائلة تختزن وجع الجبل وكرامته، وكإعلان بأن الرجال الذين حملوا أثقال التاريخ اعتادوا أن يواجهوا أحزانهم بصمت وعزة.
في تلك اللحظة، استعدتُ صور السنوات الصعبة والتضحيات التي صنعت هوية الجبل وأهله. كانت الغصة رسالة واضحة بأن العزة أكبر من الدمعة، وأن الإرث الذي يحمله الرجال الكبار أثقل من أن تختصره لحظة انكسار. ومن هنا، جاءت عبارة "نحن لا نبكي" كخلاصة لمسار طويل من الصبر والثبات والإيمان بأن الأوطان لا تُبنى بالدموع بل بالإرادة والعمل.
أنا لا أبكي، لأنني أرى في وليد جنبلاط امتداداً لمسيرة صنعت تاريخاً ومنحته معنى. فهو صاحب موقف بقي ثابتاً حين تبدلت المواقف، وصوت لم يكن إلا صدى لقناعات وطنية واضحة، وإرث لم يُكتب بالحبر فقط، بل سُطر بالتضحية والوفاء والكرامة.
وعند سماع تلك العبارة، استحضرتُ إرث المعلم الشهيد كمال جنبلاط، الذي شكّل علامة فارقة في الحياة السياسية والفكرية اللبنانية. كمال جنبلاط، الذي اغتيل في 16 آذار 1977، بقي رمزاً للحرية والإصلاح والدفاع عن الديمقراطية، ورجل دولة واجه الاستبداد بفكر حاد وإرادة صلبة.
وفي صوت وليد جنبلاط، بدا وكأن صدى كمال جنبلاط لا يزال حاضراً في كل مفصل وطني. فالحزب التقدمي الاشتراكي الذي أسسه المعلم الشهيد بقي مساحة للدفاع عن الإصلاح والسيادة والعيش المشترك، فيما حمل وليد جنبلاط تلك المسيرة في ظروف لبنانية شديدة التعقيد.
لقد بدا، عبر عقود من التحولات اللبنانية، وكأنه يحمل “البوصلة” في الاتجاه الذي يراه مناسباً لحماية الجبل والحفاظ على الاستقرار. فمن الحرب الأهلية إلى اتفاق الطائف، وصولاً إلى الأزمات السياسية والاقتصادية المتلاحقة، بقي قائداً يقرأ التحولات بحذر ويحاول تجنيب طائفته ولبنان مزيداً من الانهيارات.
لهذا، بدت عبارة "نحن لا نبكي" بالنسبة إليّ أكثر من مجرد جملة عاطفية. لقد تحولت إلى تعبير عن مدرسة سياسية كاملة، تقوم على الصمود والصبر والتمسك بالإرث الذي يجمع بين فكر كمال جنبلاط وتجربة وليد جنبلاط السياسية.
وفي وجداني، يبقى وليد جنبلاط الرجل الذي جمع بين إرث المعلم الشهيد وبين تجربته الخاصة، وبين أصالة التاريخ وواقعية السياسة، فيما يبقى كمال جنبلاط رمزاً وطنياً حاضراً في الذاكرة اللبنانية، يسجل له التاريخ دوره الفكري والسياسي، وتحفظ له الأجيال مكانته في مسيرة لبنان الحديثة.
إعلان
يتم عرض هذا الإعلان بواسطة إعلانات Google، ولا يتحكم موقعنا في الإعلانات التي تظهر لكل مستخدم.






