عن الاضطهاد الفكري: ولى ذاك الزمن!

د. ياسر ملاعب |

عند كل ازمة عسكرية كانت أم سياسية او اقتصادية في كثير من الدول غير الديمقراطية، يكثر القمع والاضطهاد الفكري والسياسي، وتقمع الحريات العامة، وحرية الصحافة والاعلام والرأي بشكل كبير واحياناً بشكل عنيف، مثل الزج في السجون او التهديد بالقتل، او القتل فعلاً، او النفي كي لا يعارض أحد او يعترض على سياسة عامة منتهجة من قبل السلطة. وهذا الأمر مازال متبعا في بعض الدول المتخلفة او الانظمة الدكتاتورية والانظمة الكُلية،  ومازال يُمارس حتى يومنا هذا في ظل التطورات الثقافية والاجتماعية والاعلامية وخاصة وسائل التواصل الاجتماعي التى اصبحت في متناول ومسمع الجميع ويصعب الحد منها او مراقبتها بشكل حازم وسريع، بالاضافة الى التطور الفكري والوعي لدى المواطنين وانتشار الوسائل الاعلامية وخاصة الفضائيات بشكل غير مسبوق والتي من الصعب ايضاً حجبها عن الناس والتى ساهمت بشكل كبير في تغيير انظمة، وساعدت ثورات على قلب انظمة. ورغم كل ذلك هناك بعض الانظمة الكُلية مازالت قادرة على هذا القمع وتمارسه بشكل عام وقادرة على الحد منه. اما الدول الديمقراطية والانظمة المتحررة والتى تعتبر حرية الرأي فيها مقدسة ويكفلها الدستور لا يمكن ان تمارس هذا القمع، حيث تعتبر حرية الاعلام والصحافة من اولويات الحريات العامة في جميع الظروف السياسية والعسكرية والاجتماعية والازمات التى تعصف في هذه الدول، ومهما كان تأثيرها على نظام الحكم، وحتى على الحكام والمسؤولين من رؤوساء جمهوريات او حكومات او مجالس نيابية، ومهما كان النقد والانتقاد، فلا احد يستطيع ان يتجرأ على المس بهذه الحريات مهما علا شأنه.!

في لبنان، هذا البلد الصغير في هذا المحيط العربي والاسلامي، وبعض هذه الانظمة التى لا تعرف ولا تعترف بحقوق المواطنين ولا تقيم وزناً للديمقراطية ولا للحريات العامة ولا لحرية الاعلام والصحافة، كان في هذا اللبنان متنفس صغير لوسائل الاعلام والصحافة. وبعد صراع مع السلطة السياسية آنذاك اقر في الدستور  حق التعبير وحرية الاعلام والصحافة والتى تجلت بعد اتفاق الطائف ومورست رغم بعض الشوائب. ورغم وجود الوصاية السورية كانت تعتبر الحرية الاعلامية من المقدسات، لذلك فإن السلطة السياسية مطالبة اليوم بأن لا تنزلق الى هذا التحدي لانها ستكون خاسرة بالتأكيد، لأنه تحدي لكل الاعراف والمواثيق المعمول بها في لبنان . 

صحيح ان التعبير في وسائل التواصل الاجتماعي وبعض الصحافة فيه  اساءة، وخاصة بالشخصي لبعض المسؤولين وهو غير مقبول ومرفوض ويجب ان يحاسب عليه كاتبه او ناشره. لكن بالمواقف السياسية يحق لكل انسان ان يعبّر عن رأيه بمنطق وبموضوعية وينتقد كل المسؤولين دون استثناء، مقدما الحجج والبراهين، وهذا ما يكفله الدستور، وهنا بيت القصيد. ولهذا نطالب المعنيين بهذا القرار بالعودة عنه وان لا يقعوا في المحظور. 

وهنا لا بد من تذكيرهم بالمعارك الاعلامية التى حصلت في الماضي، والقمع الذي حصل، وجميعها لم يكتب لها النجاح وباءت بالفشل.  يكفي هذا البلد الازمات المتلاحقة والمعارك الغير مجدية، ودعونا جميعاً نتكافل ونتعاضد لحل المأزق الاقتصادي وندخل بالفعل في الاصلاح الحقيقي قبل سقوط الهيكل على الجميع.