أزمة الكتاب وإضمحلال القراءة!

د. وليد أبو خير |

يشهد واقعنا إنحلالًا منكشفًا في إعتماد الكتاب الوسيلة المثلى للقراءة والتزوّد بالمعلومات عبر صفحاته، في الوقت الذي نشهد فيه على الفورة العارمة لناحية إستخدام شبكات الإنترنت كوسيلة معوِّضة للقراءة والمطالعة وإستقاء المعلومات دون التدقيق بها، لتبقى هواجسًا تقض مضاجع ومجالس الكاتب والمؤلف كما المدمن على الكتاب في حسّه المحسوس للورق. وهذا ما يذهب بنا ومن مندوحة القول من أننا دخلنا مرحلة من الإنحطاط أوجدتها حقيقة الثورة التقنية المتعولمة، حتى بتنا أمام ما يشبه "أزمة الكتاب".

الكتاب وما يتيحه من مساحة فكرية وثورة عارمة متجدّدة على الدوام ومصبوغة دومًا برهف الكاتب والمؤلف كما والناشر في إظهار الحقائق بكل مفاصلها عبر صفحات الكتاب وبين ثنايا ورقه، من كونه يقدّس الموثوقية فتتركّز معالم الحقيقة واضحة من أنه ذاك المستند الثبوتي الأعمق جذرًا للحقائق والتي لا يمكن للكاتب والمؤلف أن يتنكرا لآرائهما وفكرهما المتمظهرين بما قدّماه لجمهور القرّاء، بحيث يشكّل إدانة سرمدية لما قد نطق به المؤلف وما أثبته على صفحات مؤلفه. في حين تغيب هذه المظهرية المفعمة بالصدق فتضيع في نوافذ شبكة عنكبوتية وبما يدّعونه أنه تواصل إجتماعي، بحيث لا يتوانى المدوِّن ومن على تلك الصفحات الصفراء من نسج خيوط فكره والتي وإن تراكمت عليه التعليقات حول مغالطات قد أحدثها أو عبّر عنها القراء..، أن يهرع ولا يتوانى عن حذفها وبما تسمح به تقنيات الحذف، فيعود إلى تصحيح واقع أفكاره ومدوناته بقوالب أخرى ملطّفة وبما تيسّر وما يتلاءم مع ردود الفعل لجمهور القرّاء. وعليه إذن، فنحن أمام مدوّن ولسنا أمام كاتب متمتّع بجرأته الأدبية في البحث والتحليل لطرح أفكاره كما نبتت من بنات أفكاره للنطق بها كتابةً عبر صفحاتٍ ورقية هي الكتاب.
وما نشهده في حاضرنا من إنحسار الطلب على الكتاب والتقزيم العددي لقرّائه، ليصح الإعتبار أن الكتاب لم يعد "نِعمَ الجليس إذا خلوتَ.." كما راده المتنبي وأدغم على ذلك الكثيرين.

وفي محاولة جريئة للمقارنة ما بين الكتابات الورقية والكتابات الإلكترونية - والدلالة على شغفنا للأولى، وعدم تحمسنا للثانية إلى حدّ نبذها لو إستطعنا إلى ذلك سبيلا - لنقول أن الكتاب الورقي وما يحمله من معاني للإنتاجية الفكرية الثقافية والعلمية ومن أوسع أبوابها، بحيث يحصل على ميزات متعدّدة في ميزان الفكر تذهب بنا إلى حدود الإعتراف من أن هذا المنتَج الورقي الرائع والقابل للحياة، لا يعرف حدود في تاريخ إنتهاء لصلاحية في الوقت أو في المكان، حتى وإنْ أصابه بعض الإهتراء المادّي نتيجة عوامل بفعل مرور الزمن سواء من تمزيقٍ جزئي أو ضعفٍ في ورقه أو غيرها من العوامل المادّية المؤثّرة الأخرى، حيث ومع ذلك تنوجد الوسائل الحمائية لمكوناته المادّية من إعادة ترميم ما قد أصابه من تلك الأمراض. في حين أن المدونات الإنترنتّية تتعرض لموجات جارفة وعديدة من أمراض التقنيات للشبكة العنكبوتية تطيح بها ومعها تلك المنصوصات، فتغيب معالمها نهائيًا وتذهب هباءًا إلى غير رجعة.
كما تشدّنا الجرأة وعصبية المقارنة في فكرة الأحياء لما بعد الموت لكاتبٍ أو مؤلفٍ، فيعاد إحياؤه معنويًا من خلال مؤلفاته الورقية وعبر كتبه. فالكتاب يتفوق في عمره عن عمر واضعه. فهو بالمنطق الجبري يعيد ومع هذا الإحياء إلى تنشيط ذاكرة محبيه وأصدقائه والقرّاء، ليتخلّد بخلود كتبه. والعكس من هذا في المصفوفات والمدونات العنكبوتية التي وعند أول هبوبٍ لريح تغييرية في نطاق الشبكة، أن تطيح معها خلود مدوّنها مهما توقّى وإحتاط أصحاب العلاقة في إبتكار سبل الأمان لهذه المدونات حيث تحفظ لفترات زمنية وإن طالت بعض الشيء فلن تطول بطول عمر الكتاب الورقي.

وبحسبنا فإن الكتاب الورقي هو عالم قائم بحد ذاته وبواقعيته، ليدخل بإنسيابية لا طوعية إلى أعماق فكر وذهن قارئه، فتنشأ بينهما علاقة طردية فكرية وروحية من خلال تصفّح صفحاته والعودة إلى المقروءات في أي وقت في تحليلها والتبحّر ما بين أسطرها مرات ومرات. وكم من حالات أخذت قرّاء الكتب إلى إعادة صوغ شخصياتها من جديد، والسبب هو "الكتاب".

ولا مشاحة من القول، بأن لا يُغفل عن البال تلك المسبّبات المادّية الصرف في ظهور أزمة الكتاب. وفي ذلك مقاصدنا هي الحالة الإقتصادية التي تؤثّر على حالة الكاتب والمؤلف في إضمحلال حالات التأليف النشر والتي تؤدّي في أغلب الأحيان إلى وقوعهم تحت عقم الخسارة المالية مقارنةً ما بين تكلفة الكتاب المادّية وبين العوائد المتوقعة منه. بحيث وفي الكثير من الظروف لا تغطي هذه التكلفة. في حين أن المدونات على الشبكة العنكبوتية حيث ولو أنها لا تسهم في تكوين العائدات إلا لمامًا، حيث بالمقابل لا توقع مدونيها تحت عبء التكاليف المثقلة.

ختامًا، وبإقرار وشهادات العديد من القرّاء، فإن المثاقفة عبر الكتاب الورقي تعبّر من كونه الملاذ الأمثل لشفاء العقول، كما وأنه يشكّل مساحة واسعة للتجوّل في عقول الآخرين، هذا من الناحية المعنوية. أما ناحيته المادّية ما تحمل ملامسة الورق من تفاعل حسّي يتغلغل في مسامات الأبدان فتشحن الأعصاب بشحنات منشطة أثيرية قد لا يُعرف مصدرها.