"هيبة الدولة"

صالح حديفة |

في تطور مستغرب جداً في بلد يفاخر بحرياته ويتباهى رئيس جمهوريته بإقرار مطلبه إنشاء "أكاديمية الإنسان للحوار والتلاقي" في الأمم المتحدة، تحوّل النقاش في مجلس الوزراء الذي انعقد برئاسة فخامة الرئيس إلى التفكير في كيفية الاقتصاص من الإعلام وفي ملاحقة الناشطين عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وهو الأمر الذي كان بدأ فعلياً منذ مدة ليست بقليلة، ومرشّح على ما يبدو أن يصبح توجّهاً رسمياً بفعل ما تسرّب من مداولات جلسة الحكومة، التي أعطى النصّ الرسمي الموزّع عنها، فكرةً يسيرة عمّا كانت عليه أمور النقاش داخلها.

يقول فخامته في الجلسة، وفق البيان الرسمي، إن "حقّ التظاهر لا يعني حق الشتيمة، وحرية الإعلام لا تعني حرية اطلاق الشائعات المغرضة والمؤذية للوطن. الوقت اليوم ليس للمزايدة ... أنا رئيس الدولة وأمثّل كرامة اللبنانيين وهيبة الدولة".

صحيحٌ كلامك فخامة الرئيس، إلا أن أسئلة كثيرة تقض بال اللبنانيين وتؤرق نهارهم وليلهم، وهي أسئلة تصبّ في خانة كلامك، باعتبار أن الهدف منه الحرص على "عدم إيذاء الوطن"، والحفاظ على "كرامة اللبنانيين" و"هيبة الدولة".

وعليه، يسأل اللبنانيون: هل الإعلام هو من يعرّض الدولة للإيذاء؟ هل ناشطو مواقع التواصل هم من يهدد مالية الدولة؟ هل هم هؤلاء من أوصلوا وضعنا النقدي إلى ما هو عليه من خطورة؟ هل هم من هدّدوا سعر الصرف؟ هل هم من رفعوا الدين العام إلى 100 مليار دولار؟ هل هم من أرهقوا خزينة الدولة بسلف خزينة لقطاع الكهرباء العاجز منذ عقود؟ هل هؤلاء هم من هدر المال العام وأنفق من مالية الدولة على السفرات والسفارات والحواشي والأتباع والأزلام؟ هل هم من وظفوا خلافاً للقانون الآلاف؟ هل من يؤذي الدولة هو من يصرخ صرخة ألم ووجع لضيق أحواله المادية والمعيشية؟ أم من يؤذي الدولة هو من في موقع المسوؤلية ولا يقوم بواجبه؟ هل من يهدد كرامة اللبنانيين هم أولئك الذين يعبّرون عن معاناتهم، أم الذين يقبضون على مقدّرات الدولة ويأخذون الشعب نحو إذلال معيشي؟

أمّا "هيبة الدولة"، فهي مصانة والحمدالله ولا يمسّها أحد. فليطمئن أصحاب الألقاب الرسمية لذلك. هيبة الدولة مُصانة في المعابر غير الشرعية. هيبة الدولة مصانة في التهريب عبر المعابر الشرعية. هيبة الدولة مصانة في السلاح المتفلّت. هيبة الدولة مصانة في استباحة الأملاك العامة والبحرية والنهرية. هيبة الدولة مصانة في الإعفاءات الجمركية والضريبية. هيبة الدولة مصانة في استغلال القضاء واستخدامه لحسابات سياسية.

يبقى فقط أن نُحارب "الشائعات"، ونلاحق مطلقيها ومروّجيها، ونزجّ بهم في السجون لكي يتلقنّوا درساً لن ينسوه، ولكي يكونوا أمثولة لغيرهم من المواطنين في كيفية "الحفاظ على هيبة الدولة وعدم إيذاء الوطن"، ولكي يعتبر أولو الألباب من هذا المشهد الحازم الجازم. استفسارٌ بسيط هنا: من أطلق هذه "الشائعات"؟ على ماذا بنى مطلقوها ترّهاتهم المغرضة هذه؟ من أين أتوا بالكلام عن "إفلاس الدولة"؟ من قال لهم ذلك؟ ثم ماذا عن المسؤولين الذين قالوا "حقائق" في هذا المجال وحذّروا من الأزمة الخطيرة والمآل الصعب لمالية الدولة وطالبوا بإجراءات "موجعة"، فهل يشملهم أيضاً قرار الملاحقة؟ وهل سيحاسبون كما المواطنون المغرضون مطلقو الشائعات؟ "الظلم بالسوية؛ عدلٌ في الرعيّة".

فليهدأ بال اللبنانيين جميعهم، وبلا مزايدات. "حطوا إيديكن وإجريكن بمي باردة". الدولة بألف خير. كرامة اللبنانيين في القمة. هيبة الدولة على عرشٍ ملوكي. الحريات ممتازة. حقوق الناس مكفولة، وبينها حق التظاهر وحرية التعبير. مالية الدولة "بتجنّن"، أما الليرة فـ بأفضل أحوالها. ناموا قريري العين. ولنغنّي مع زياد الرحباني: "قوم فوت نام وصير حْلَم، إنّو بلدنا صارت بلد".