لبنان على حافة الصفقة... مفاوضات قد تُشعل ما تبقّى من وطن
18 نيسان 2026
09:04
Article Content
وقف إطلاق النار ليس نهاية الحرب… بل أحيانًا بدايتها المؤجلة. هذا ما تعلّمه العالم من تجارب قاسية، وهذا ما يخشاه اللبنانيون اليوم وهم يراقبون مشهدًا يتكرّر بوجوه مختلفة. الخطر ليس في الرصاص الذي يسكت مؤقتًا، بل في الاتفاقات الهشّة التي تُوقَّع بلا ضمانات، فتتحوّل إلى استراحة قصيرة قبل جولة أعنف. من هنا، لا يريد لبنان هدنة تُشبه ما جرى في قطاع غزة، حيث تتحوّل الاتفاقات إلى أوراق مؤقتة، تُخرق عند أول اختبار جدّي، ويُدفع ثمنها من دم الناس لا من حسابات السياسة.
في الداخل، لا يمكن القفز فوق حقيقة أن "حزب الله" هو جزء من المجتمع اللبناني، بقاعدته الشعبية وحضوره السياسي والعسكري. لكن في المقابل، لا يمكن تجاهل أن قراره الاستراتيجي لا يُصاغ فقط في بيروت، بل يتداخل بشكل عميق مع حسابات إيران. هذه الازدواجية هي قلب الأزمة: لبنان الذي يدفع الثمن، وقرار الحرب والسلم الذي لا يُتخذ بالكامل على أرضه. ومع ذلك، فإن اللحظة الحالية—بما تحمله من دمار وضغط داخلي—تفتح بابًا نادرًا: استيعاب، حوار، وإعادة تعريف للدور، لا من باب الإلغاء، بل من باب حماية ما تبقّى من وطن.
الرهان الحقيقي اليوم هو على فكّ الاشتباك بين لبنان وملف إيران، ليس عبر القطيعة، بل عبر استعادة القرار السيادي. فلبنان لا يستطيع أن يكون ساحة دائمة لتصفية الحسابات، ولا جبهة متقدمة في صراعات الآخرين. المطلوب إعادة تموضع ذكي: علاقات متوازنة، دون ارتهان، وقرار وطني يُبنى في الداخل قبل أن يُفرض من الخارج. وهنا، تعود أهمية استلهام تجربة اتفاقية الهدنة 1949، لا لاستنساخها حرفيًا، بل لتطويرها ضمن معادلة جديدة: ضمانات دولية حقيقية، رقابة فعّالة، وربط أي تهدئة بإعادة إعمار مشروطة بعدم العودة إلى التصعيد.
لكن العقدة الأكثر حساسية تبقى في احتمال الذهاب إلى مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل. هذا الخيار، الذي كان يُعتبر من المحظورات، بدأ يفرض نفسه تحت ضغط الواقع. المفاوضات إن حصلت لن تكون تقنية فقط، بل سياسية بامتياز: إعادة رسم لقواعد الاشتباك، إنهاء دور السلاح خارج الدولة، وضبط للحدود بما يمنع الانزلاق المتكرر نحو الحرب. وهنا يكمن الامتحان الحقيقي: هل يدخل لبنان هذه المفاوضات موحّدًا، فيحوّلها إلى فرصة لفرض شروطه، أم يدخل منقسمًا، فيتحوّل إلى ساحة تُفرض عليها الشروط؟ لأن المفاوضات، في النهاية، لا تعكس فقط موازين القوى العسكرية، بل أيضًا تماسك الداخل وصلابة القرار.
أما السيناريو الأكثر خطورة، فهو فشل التفاهمات الكبرى مع إيران. عندها، لن يبقى لبنان على الهامش، بل في قلب العاصفة. فشل المفاوضات يعني عودة منطق التصعيد، حيث تتحوّل الجبهات إلى أدوات ضغط، ويُعاد تشغيلها وفق حسابات إقليمية معقّدة. قد يبدأ الأمر بعمليات محدودة، لكن التاريخ يقول إن الشرارة الصغيرة في هذه المنطقة نادرًا ما تبقى صغيرة. ومع غياب قرار لبناني مستقل بالكامل، يصبح البلد عرضة لتوقيت لا يختاره، ولمواجهة لا يحدد سقفها. وهنا، لا يكون السؤال: هل تقع الحرب؟ بل متى… وكيف… وبأي كلفة؟
وبين كل هذه الحسابات الكبرى، هناك قراءة يومية بسيطة، لكنها صادقة، تُختصر بما يقوله الناس في الشارع: "نحنا تعبنا… بدنا نعيش". هذه الجملة، رغم بساطتها، تختصر جوهر الأزمة. اللبناني لا يهتم بمن يربح إقليميًا إذا كان هو الخاسر دائمًا. لا يريد أن يكون ورقة ضغط، ولا ساحة اختبار، ولا صندوق بريد للرسائل العسكرية. يريد دولة تقرّر، تحمي، وتمنع تكرار الكارثة.
وفي قراءة عامية أخرى تتردد في المجالس: "إذا ما كان القرار بإيدنا، ما في شي رح يتغيّر". هذه ليست مجرد عبارة، بل خلاصة تجربة مريرة. فكل هدنة لا تُبنى على سيادة حقيقية، هي هدنة مؤقتة. وكل تفاوض لا يستند إلى موقف داخلي موحّد، هو تنازل مؤجل. لبنان اليوم لا يحتاج فقط إلى وقف إطلاق نار، بل إلى وقف استباحة قراره. لأن السلام، في نهاية المطاف، ليس اتفاقًا يُوقَّع… بل قرارًا يُنتزع.
إعلان
يتم عرض هذا الإعلان بواسطة إعلانات Google، ولا يتحكم موقعنا في الإعلانات التي تظهر لكل مستخدم.






