دكتور هايل بركات - إنسان آخر

وهبي أبو فاعور |

ترتبط عائلاتانا بأواصر قربى ونسب فجدتي لأبي من هذه العائلة الكريمة التي سطّر أخوتها المرحومين حسين ونصرالدين أروع سير القرويين الطيبين في الأخلاق الحسنة والمسلك التوحيدي الشريف لأولئك الأعيان الشرفاء من آل بركات أذكى الرحمات في جنات الرحمن.
في ربيع 1985 وكنت أقيم في المختارة مرّ علي شاب يحمل محفظة طبّية وحسّاً شعبياً تكلله تيجان الإنسانية بأبهى صورها فتذكرت د.هايل قريبي وتلميذي في ثانوية مرجعيون الرسمية سنة 1972 سنة المخاض الشعبي وتحركات اليسار الوطني حاملاً هموم الناس من الريجي إلى معامل الغندور إلى الإتحاد الوطني لطلاب الجامعة اللبنانية حيث النضال الوطني سمة تلك المرحلة، هايل كان متوثباً للحراك السياسي وكان مع أكثرية من شباب اليسار من حاصبيا والخيام وحولا يشوطون المظاهرات كلاعبي كرة القدم، وعدت ثانية والتقيته مناضلاً ببندقية في أواخر 1976 يدافع بجسده عن الخيام وإبل السقي ودبين.

د.هايل بركات زارني وجاءني بعرضٍ للعمل التطوعي في مجال الطب وهو كان يومها يؤدّي سنة الخدمة التطوعية في الطب في النجدة الشعبية اللبنانية في مدينة النبطية التي كان يحسن إدارتها يومها الرفيق المناضل هاني خليل عساف رحمه الله، تواعدنا أن نلتقي عندما تتيح لنا الفرص أداء خدمة للناس في مجال الصحة العامة.

ولم تطل الأيام ففي حزيران 1985 أُزيحت عن صدورنا صخرة المحتل الإسرائيلي وأعوانه وكانت ميمس نجمةً تضيئ نهاية الأرض المحرّرة، وكان لنا خطةٌ في أمانة سر البقاع الجنوبي في الحزب التقدّمي الإشتراكي أن نعوض غياب خدمات وزارة الصحة فأنشأنا مجموعةً من المستوصفات بكوادر متخرجة جديدة كان أنجحها تجربتي مستوصف الشهيد حمودي الخشن في سحمر مع الرفيق العزيز د.جمال إسماعيل وثانيها في مركز كمال جنبلاط الطبّي في ميمس الذي استنسخنا به تجربة كانت للحركة الوطنية اللبنانية في بلدة حاصبيا من سنة 77 حتى 82 في مركزٍ طبّي يحمل نفس العنوان ويديره الصديق المرحوم حليم القسيس من الخيام، مضافاً إليه عيادةً لطب الأسنان مع الدكتور أحمد صادق من الخيام والدكتور طلال شهاب من حاصبيا مع مجموعة من الرفاق في الحركة الوطنية لا تزال نداءاتهم ترنُ في أذني وهم الأعزاء أمين شميس الحمرا وفريد أبوحمد ونهاد هزيمة وصباح خداج وعثمان علوان وحمد حسنية والمرحومة نهدية مرداس حيث خط النقل بسيارتينا مؤمن إلى مستشفى الميس في شتورا !!

هذه التجربة نفذها الحزب التقدّمي الإشتراكي في ميمس حيث نجح كما أسلفنا نجاحاً باهراً كذلك في سحمر مع رفاقنا هناك ولم يواكبه النجاح في مستوصفات أخرى.

كان المرحوم د.هايل بركات فارس ذلك المستوصف عمل به بإدارته وبدعم وتمويل مباشر من الحزب التقدّمي الإشتركي يعاونه مجموعة من الرفاق في فرع ميمس أخص منهم الرفيقين يوسف أبوالعز وأديب حمد ونَعم باحتضانٍ من كل الناس ليس في ميمس فقط بل أيضاً في كافة القرى المحررة من عين عطا إلى الكفير والخلوات وما بينهما من تجمعات.

د.هايل أخذ من بيئته روح التسامح والأخلاق ومن حزبه الشيوعي التضامن والإنسانية وكم كان رائعاً تجاوب رفاقنا في النجدة الشعبية اللبنانية عندما سمحوا له باتصالٍ واحد بأن ينتقل إلى ميمس وشويا ويُكمل تطوعه بخدمة الناس المحتاجين.

لم يكن لديه شغفٌ ولا تعلّقٌ بالمال فاكتفى براتب ضئيل وبيت صغير وعلى رنّة اللاسلكي ينتقل من ميمس إلى شويا وبالعكس لمداواة جريح وإسعاف مريض وكم نكّل به وحاولوا إذلاله عناصر حاجز زمريا الأوغاد. وكان يحمل الإهانة مع التعب الجسدي...

بقي د.هايل على هذا المنوال لـِ ست سنوات حتى 1991 نتعاون معاً على إحضار مساعدات الأدوية من مخازن النجدة الشعبية اللبنانية في النبطية حيث كانت له مونة ويد طولى، ومن مستودعات مؤسسة عامل بدعم من الصديق د.كامل مهنا وبهمة الرفيق د.جمال اسماعيل وكم كان لرفاقنا في مفوضية الصحة والطيب الذكر د.بهيج عربيد من أيادٍ طولى في دعم مركزنا الطبّي في ميمس...

كان د.هايل بركات مثالاً طيباً وصادقاً لحب الناس فإن لم تؤمَن له سيارة للإنتقال فإلى عين تنتا والخلوات والكفير والنبي شيت لا يبخل بالسير مشياً على قدميه !!!

كان يزورني بعد العاشرة ليلاً وبعد عودتي من راشيا لا يحمل شكوى على أحد إنّما يحمل في ذهنه كيف يمكن أن ننقل المريض الفلاني إلى المستشفى ومتى، لا يحمل ضغينة، بل هو على سجية أهل بلادي مسامح وكريم.

بقينا سوية على هذا المنوال حتى 1991 عندما تمّ تعيينه طبيباً في وزارة الصحة العامة في حاصبيا بتوصيةٍ من الرئيس وليد جنبلاط مع د.محمد خضر في راشيا، حيث تغيرت طبيعة العمل والدوام ولم يتغيرعطاؤه ولا حبّه للناس واهتمامهم بهم.

إتفقنا مع الطبيب د.هايل بأن يستمرّعمله في مركز كمال جنبلاط الطبّي بتجهيزاته كلّها ونبقى على ذات الخطة بتأمين الأدوية المجانية للمرضى مع التأكيد على شمول رعايتنا لكافة الأسر المحتاجة وخاصة لأسر الشهداء الوطنيين وفيما عدا ذلك فالتعرفة ما تيسر في جيب المريض والدوام معظم الأيام بعد الظهر أمّا ما في صيدليته من أدوية مدفوعة الثمن فهو كان خير مسعف ونصير للمحتاجين، وهنا لا بدّ من الإشارة والإشادة بموقف وكلاء الوقفين الدرزي والأرثوذكسي في ميمس الذين تخلّوا عن بدل إيجار المبنى في المرحلتين الآنفيتين وما زالوا، فلهم تحية من الأعماق نيابة عن كل الناس، معترفين بأريحيتهم ونبل عطائهم.

قضى د.هايل بعدما عانى من أوجاع كانت تعصر قلب عارفيه ومحبيه وكانت دموع السماء سخيةً عليه عدا عن دموع البشر الذين افتقدوا بوفاته سنداً صادقاً وأخاً ومرشداً وطبيباً بارعاً.

رحل هايل بركات مكرّماً بأكاليل الغار والوفاء والعرفان بالجميل وإن كان من دعاء صادق فهو لأبنائه الأعزاء بأن يتمكنوا بوفاء الأقربين والأصدقاء أن يسلكوا دربه في صدق المواطنة وخدمة المجتمع والإرتقاء إلى سلّم الرقي الذي كان يطمح بهم أن يرتقوه، وليبقَ د.هايل مثالاً صارخاً ليس لأبنائه بل لكل أبناء الفئات المقهورة والمفعمة بالفضائل ومكارم الأخلاق، على أمل أن يكونوا على شاكلته فراقد مضيئة في سماء شويا ووادي التيم بسيَرهم الحسنة وتربيتهم الفاضلة وأفعالهم المظفّرة فيبقى هايل وإلى الأبد حيّاً في ذاكرة العارفين والمجايلين والأصدقاء، شعلة مضيئة على طريق الإنسانية.