سجّادة التّفاوض الإيرانيّ: مزيج من البراغماتيّة والعقائديّة
14 نيسان 2026
04:11
Article Content
الفشل في إحداث اختراق خلال 20 ساعة من مفاوضات إسلام آباد قد يقود إلى تمديد للهدنة، كما يأمل الوسيط الباكستانيّ، إلى ما بعد 21 نيسان المقبل. لكنّ مخاطر تهديدات “حرس الثورة” بالردّ على خطوات دونالد ترامب لمحاصرة إيران في مضيق هرمز قد تجدّد الحرب، بعدما كان مفتاح الحلحلة لو قبلت طهران بفتحه.
اختلفت جولة باكستان عن محطّات العقود الماضية من التواصل بين أميركا وإيران، منذ أزمة رهائن السفارة الأميركيّة عام 1979، بسرعة تعليقها.
المفاوضات عِلمٌ. لذلك ألّف وزير الخارجيّة الإيرانيّ عبّاس عراقجي كتابه “قوّة التفاوض” الذي حضر إلى بيروت مرّتين خلال سنة من أجل توقيعه والترويج له. روى الكتاب بعضاً من وقائع ما يسمّيه “ساحة حرب” في المفاوضات التي أدّت إلى اتّفاق عام 2015 النوويّ حين كان نائباً لوزير الخارجيّة آنذاك محمّد جواد ظريف. الخلاصة هي تأكيد اعتماده لغة “البازار” التجاريّة في المساومات والصفقات. تفاخر عراقجي كيف أبكى نائبة وزير الخارجيّة جون كيري آنذاك، ويندي شيرمان، قبيل نهاية المفاوضات المضنية، لأنّه اختار أن يطرح عليها مطلباً كتمه سابقاً بهدف ضمّه إلى الاتّفاق، بعدما جرى الانتهاء من صياغته كاملاً، فانهارت جرّاء تعبها من السجال ومن طول نفَس الجانب الإيرانيّ في المجادلة والنقاش.
إذا كان استغلال لعبة الوقت، بمعنى إطالته، هو إحدى ركائز نهج التفاوض، فإنّ طهران أثبتت قدرة على اللعب على هذا العامل أكثر من خصومها. برهنت ذلك في المحطّات كافّة خلال أكثر من أربعة عقود. تستفيد من استعجال الفريق الآخر من أجل الحصول على تنازلات منه بأن تحمله على اليأس من المماحكات فيقبل بما كان يرفضه. إلّا أنّ المفاوضات الراهنة بين إيران وأميركا ترامب أظهرت أنّ الأخير يمارس الضغط العسكريّ من أجل تعطيل إطالة الأخذ والردّ، وبإعلانه إجراءات محاصرة مضيق هرمز بات السؤال عمّا إذا كان يمهّد بذلك لعودة الضربات العسكريّة لإيران، سواء في البحر أو في البرّ.
من الأدلّة على احتمال نفاد صبر ترامب من لعبة الوقت الإيرانيّة أنّه كشف عشيّة محادثات إسلام آباد أنّ “قادة إيران يتحدّثون بشكل مختلف في الاجتماعات وفي السرّ عمّا يقولونه للإعلام”، وذلك تعليقاً على ادّعاء المسؤولين في طهران أنّ الاتّفاق على وقف النار شمل لبنان، في وقت لم يكن الأمر كذلك. بل إنّ تسريبات أميركيّة أفادت بأنّ طهران لم تصرّ، خلال الاتّصالات التمهيديّة، على حصول وقف نار في لبنان بالتزامن مع وقفها في حرب أميركا وإسرائيل ضدّها.
دراسات أميركيّة حول “الطّريقة” الإيرانيّة
لطالما تعمّقت مراكز الأبحاث والدراسات الأميركيّة في استكشاف طريقة ((methodology التفاوض الإيرانيّة للتعاطي معها. سعت وزارة الخارجيّة الأميركيّة ومراكز اتّخاذ القرار في واشنطن إلى الإفادة من هذه الدراسات لمقاربة العقل الإيرانيّ. من الأمثلة على ذلك دراسة أعدّها باحثون في جامعة بريتوريا قبل سنوات تناولت 3 نماذج:
1- التفاوض للإفراج عن دبلوماسيّي السفارة الأميركيّة في طهران عقب ثورة 1979 الخمينيّة التي أطاحت بحكم الشاه، ولم تجد واشنطن حلّاً إلّا عام 1981.
2- التفاوض على الملفّ النوويّ مع الترويكا الأوروبيّة بدءاً من 2006 حتّى اتّفاق 2015.
3- الإفراج عن بحّارة بريطانيّين احتجزهم “حرس الثورة” عام 2007.
لكلّ من هذه التجارب ميزاتها، لاختلاف الدولة الوسيطة، والظروف الداخليّة المرافقة للمساومة. لكنّ ما يجمع بينها ارتباط نهاياتها باتّفاق على مكاسب ماليّة لطهران بالإفراج عن جزء من أرصدتها الماليّة. انتهت تلك الدراسات إلى أنّ أساليب التسويف أو الانسحاب أو التجاهل أو عدم التعاون هي جزء من نهج طهران الدبلوماسيّ.
البعدان الدّينيّ والعقائديّ مقابل البراغماتيّة؟
قبل الثورة الخمينيّة عام 1979 كانت الدبلوماسيّة أقلّ أيديولوجيّة. باتت البيئة التفاوضيّة بعدها تأخذ بمبادئ وضعها “الوليّ الفقيه”، الإمام الخمينيّ. صار على المفاوض الإيرانيّ أن يوازن بين البراغماتيّة الواقعيّة وبين هيمنة سرديّة “المقاومة” ضدّ “الاستكبار العالميّ”. بات التزام البعد العقائديّ لأيّ تفاوض واجباً تحت طائلة اعتبار من يخالفه خائناً للثورة. هذا ما عزّز موقع المتشدّدين في البيئة التفاوضيّة ضدّ معتدلين مثل جواد ظريف والرئيس الأسبق حسن روحاني.
وفق التدقيق الأميركيّ في “طريقة” التفاوض الإيرانيّ أدخل البعد الدينيّ لحكم “الوليّ الفقيه” نهجا قائماً على:
– التقيّة والكتمان. إذ تتيح العقيدة الدينيّة نفي الإيمان باللسان، مقابل التمسّك به في القلب.
– مبدأ الشهادة تيمّناً بشهادة الحسين بن عليّ في كربلاء، لرفض التنازل عن المبادئ.
– الاجتهاد وفقاً للظروف لتبرير أيّ تنازل.
حفظ ماء الوجه لأجل “الصّفقة الكبرى”؟
من التوصيات التي انتهت إليها الدراسة الأميركيّة:
1- توضيح المواقف والنوايا السياسيّة لكلا الجانبين ولدى فرق التفاوض.2
2- تقبّل إيران كدولة طبيعيّة، وليس وفق وصفها بدولة غير عقلانيّة أو إرهابيّة. مع أنّ السلوك الإيرانيّ قد يصبح غير عقلانيّ أحياناً، يجب عدم الردّ عليه، بل التركيز على مصالح مشتركة لدفع المفاوضات قدماً.
3- احترام التاريخ الإيرانيّ الثقافيّ والدينيّ وإظهار الرغبة في صداقة طويلة الأمد وحفظ الكرامة الوطنيّة وسيادة إيران واستقلالها ومبادئها.
4- المرونة عبر التسليم بأنّ نظام الحكم المركزيّ في إيران لا يتيح دائماً التجاوب بالطريقة التي يرغب بها الغرب. ينبغي السماح لإيران بالحفاظ على ماء وجهها من خلال بدائل تُبقي المفاوضات مستمرّة. تدابير بناء الثقة بالغة الأهميّة. لكن ينبغي ألّا يُظهر المفاوضون حماسةً مفرطةً لاسترضاء أو تهديد إيران التي ترفض تقليديّاً التدخّل الأجنبيّ، وتركّز على نهج براغماتيّ مع ضمانات قويّة للتوصّل إلى “الصفقة الكبرى”.
هذه التوصيات اعتمدها المفاوضون في عهد الرئيس باراك أوباما للتوصّل إلى اتّفاق 2015، الذي مزّقه ترامب في 2018.
في المفاوضات الراهنة عوامل مستجدّة، منها نتائج الحرب، انعكاس الوضع الداخليّ في إيران وأميركا ترامب عليها، إضافة إلى تأثير قوى ثالثة بدءاً بإسرائيل، مروراً بالصين، انتهاءً بدول الجوار العربيّ.
إعلان
يتم عرض هذا الإعلان بواسطة إعلانات Google، ولا يتحكم موقعنا في الإعلانات التي تظهر لكل مستخدم.






