خنق الأوطان من الأطراف
05 نيسان 2026
10:20
آخر تحديث:05 نيسان 202610:39
Article Content
لم يعد لبنان يقف على حافة حرب تقليدية يمكن التنبؤ بمساراتها، بل دخل في زمن أخطر: زمن "الضغط الصامت" الذي يسبق الانفجار الكبير أو يغني عنه. التهديد بضرب معبر المصنع لا يُقرأ كخبر عابر في نشرة عسكرية، بل كإشارة إلى تحوّل عميق في فلسفة الحرب نفسها. لم تعد المواجهة قائمة على احتلال الأرض أو تدمير الجبهات، بل على تفكيك قدرة الدولة على التنفّس. فحين تُهدَّد المعابر، تُهدَّد الحياة اليومية بكل تفاصيلها، من الغذاء إلى الدواء، ومن التجارة إلى حركة الناس.
لبنان، بحكم موقعه الجغرافي، ليس دولة مكتفية بذاتها، بل عقدة وصل بين الداخل العربي والساحل المتوسطي. ومعبر المصنع تحديدًا ليس مجرد طريق، بل هو الامتداد الحيوي الذي يربط الاقتصاد اللبناني بعمقه الطبيعي. وعندما يُرفع هذا المعبر إلى مستوى "الهدف العسكري المحتمل"، فإن الرسالة تتجاوز البعد الأمني لتصل إلى قلب البنية الاقتصادية. فالدولة التي تُعزل بريًا، تُدفع تدريجيًا نحو الانكماش، ثم نحو الاختناق.
في هذا السياق، يصبح اسم حزب الله جزءًا من السردية التي تُستخدم لتبرير ضرب أو تهديد هذه الشرايين. لكن ما يحدث فعليًا يتجاوز أي تنظيم أو طرف، لأنه يمسّ بنية الدولة نفسها. فحين تُستهدف الطرق والمعابر والمرافئ، لا يعود السؤال من يُستهدف، بل ماذا يبقى من الدولة بعد ذلك. إنها معادلة قاسية حيث يتحول المدني إلى متضرر مباشر، والاقتصاد إلى ضحية أولى، والحدود إلى أداة ضغط بدل أن تكون وسيلة تواصل.
الأمر لا يتوقف عند البعد المحلي. فالتصعيد يتغذى على خطاب دولي متشدد، يقوده دونالد ترامب، حيث تُعاد صياغة المنطقة وفق منطق "كسر الشبكات" لا احتوائها. وهذا يعني أن كل نقطة عبور، وكل خط إمداد، وكل مساحة تماس يمكن أن تتحول إلى هدف مشروع ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى إعادة رسم التوازنات بالقوة. لبنان هنا لا يُنظر إليه ككيان مستقل، بل كحلقة في شبكة يجب تفكيكها أو الضغط عليها.
لكن الأخطر في هذا النمط من الحروب أنه لا يحتاج إلى إعلان رسمي. يكفي التهديد، يكفي الإنذار، يكفي تعليق الحركة في معبر واحد، حتى تبدأ سلسلة من التفاعلات: خوف في الداخل، اضطراب في الأسواق، تراجع في الثقة، وهروب في رأس المال. وهكذا، يتحقق جزء كبير من أهداف الحرب دون أن تُطلق رصاصة واحدة. إنها حرب نفسية واقتصادية في آن، تُدار بأدوات دقيقة، لكنها تُنتج آثارًا عميقة.
ومع كل تهديد جديد، يتآكل مفهوم السيادة تدريجيًا. فالدولة التي لا تستطيع ضمان أمن معابرها ولا استمرارية حركتها التجارية، تجد نفسها أمام واقع جديد: سيادة منقوصة تُدار من الخارج، ولو بشكل غير مباشر. وهنا يكمن الخطر الأكبر، لأن الانهيار لا يأتي دفعة واحدة، بل يتسلل ببطء عبر تفاصيل صغيرة تبدو في ظاهرها مؤقتة، لكنها في جوهرها تغيّر قواعد اللعبة.
لبنان اليوم لا يُختبر فقط في قدرته على الصمود العسكري، بل في قدرته على البقاء كدولة قابلة للحياة. فالحروب الحديثة لا تُقاس بعدد الصواريخ، بل بمدى قدرة المجتمع على الاستمرار تحت الضغط. وإذا استمر استهداف الشرايين أو التهديد بها، فإن المعركة لن تكون على الحدود فقط، بل داخل كل بيت، وفي كل مؤسسة، وفي كل تفصيل من تفاصيل الحياة اليومية.
في النهاية، نحن أمام مشهد يتجاوز لبنان نفسه. إنه نموذج لحروب القرن الجديد، حيث لا تُحتل الدول بل تُنهك، ولا تُدمَّر دفعة واحدة بل تُستنزف تدريجيًا. والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة: كم يستطيع لبنان أن يصمد في وجه حرب لا تُرى بالكامل، لكنها تُشعر الجميع بثقلها في كل لحظة؟
إعلان
يتم عرض هذا الإعلان بواسطة إعلانات Google، ولا يتحكم موقعنا في الإعلانات التي تظهر لكل مستخدم.






