ماذا عن المشهد اللبناني بعد الحرب؟
04 نيسان 2026
16:48
آخر تحديث:04 نيسان 202616:49
Article Content
كيف سيكون وضع لبنان والمنطقة عند انتهاء الحرب الأميركية- الإسرائيليّة على إيران، وكيف سيكون حال الانقسام اللبناني- اللبناني الذي تفاقم إلى درجات غير مسبوقة جراء هذه الحرب، وجراء انخراط حزب الله فيها والاعتداءات الإسرائيلية التي تتوسع على لبنان وقد ناهز عدد الشهداء الذين سقطوا خلالها أكثر من ألف قتيل والأرقام إلى ارتفاع يومي لا بل على مدار الساعة!
بالنسبة لإيران، صمود النظام بعد نحو شهر من اندلاع الحرب هو انجاز بحد ذاته، وهو ما قد يُطلق عليه في أدبيات المحور الذي كان يسمّي نفسه "محور الممانعة" مصطلح "إنتصار". بطبيعة الحال، التسمية نسبيّة، وما قد يُعتبر انتصاراً بمعيار "المحور" هو إنكسار كبير بالفهم العام لمجريات الحرب. أن يبقى النظام وتُدمر البلاد لا يُعد إنتصاراً، فإيران سوف تحتاج إلى عقود طويلة للخروج من الكبوة التي سقطت فيها بعد هذه الحرب المدمرة.
ولكن وفق الحسابات المصلحيّة للنظام الإيراني، وهو نظام ديني عقائدي متشدد، فإن بقاء السلطة في مواجهة أكبر دولة في العالم التي تفاخر بجبروتها العسكري وحليفتها الاقليمية التي تمكنت خلال أشهر قليلة من قلب موازين القوى في المنطقة، هو بحد ذاته إنجاز يُعتد به. ليس ذلك فقط، ففي المنطق الإيراني، استطاعت طهران تحدي منظومة القبة الحديدية واختراق "الأمن الإسرائيلي" واسقاط المئات من الصواريخ على المدن والمناطق الإسرائيلية بالتعاون طبعاً مع حزب الله الذي يطلق بدروه المئات من الصواريخ على شمال فلسطين المحتلة بالتوازي مع التصدي لقوات الجيش الإسرائيلي التي تسعى جاهدة للتوغل في جنوب لبنان والتقدم في احتلال قراه تمهيداً لخلق أمر واقع جديد يعكس نفسه في اتفاقية جديدة لوقف إطلاق النار خصوصاً أن اتفاقية العام 2024 يبدو أن مفاعيلها سقطت، وهي أساساً لم تُحترم من قبل إسرائيل منذ توقيعها وطوال أكثر من 15 شهراً انتهُكت فيها السيادة اللبنانية مئات المرات ولم تنجح لجنة "الميكانيزم" في تطبيق اي من بنود الاتفاق على إسرائيل.
على الصعيد اللبناني الداخلي، لا يمكن لمن يراهنون على "انتهاء" حزب الله الاستمرار في إشاحة النظر عمّا يجري في إيران، ولا يمكنهم إنكار أن "الصمود الإيراني" ولو بأكلاف عالية جداً، سوف يوفر- بشكل أو بآخر- متنفساً ما للحزب عاجلاً أم آجلاً. والأهم من كل ذلك، أنه لا يمكنهم إدارة الظهر للاعتداءات الإسرائيلية التي تطال- فيما تطال- المدنيين الأبرياء والمسعفين والأطباء والصحافيين، كما أنها تستهدف البنى التحتية المدنية كالجسور والمنشآت العامة لقطع منطقة جنوب نهر الليطاني عن باقي المناطق اللبنانية، فضلاً عن التدمير الكامل لقرى الحافة الأمامية وتسويتها بالأرض بهدف خلق واقع جديد قوامه إخلاء تام لهذه المناطق من السكان تمهيداً لاحتلال طويل الأمد، وهو مغاير لما حصل بعد احتلال الجنوب بدءاً من العام 1978 مروراً بالعام 1982 عند حدوث الغزو الكبير الذي وصل إلى بيروت، حتى تحرير الأرض بالكامل في العام 2000.
إذا كان هذا الواقع المستجد يحتّم على اللبنانيين المعترضين على انخراط حزب الله في هذه الحرب بإسم اللبنانيين جميعاً دون التشاور معهم أو موافقتهم (وهم على حق في ذلك) إعادة النظر في مواقفهم ورهاناتهم على القضاء على حزب الله؛ فإنه حري أيضاً بالحزب الاقلاع الفوري عن لغة التهديد والوعيد والتخوين وإطلاق الشتائم والتهم بـ "الصهينة" لهذا المسؤول أو ذاك.
لا يمكن القبول بفكرة أن هذا الحزب المسلح الذي ورّط لبنان في حرب لا طائل له فيها سوف ينقض على سائر اللبنانيين بعد توقف الحرب، وهو ما يُهدّد به عدد من مسؤوليه أو بعض "الاعلاميين" الذين يدورون في فلكه، في تحد واضح لمشاعر فئات واسعة من اللبنانيين ولفكرة "الدولة" التي يفترض أن تكون الجامع بين مختلف مكونات المجتمع.
لعل أكثر ما تستفيد منه إسرائيل هو تغذية الخلافات والأحقاد بين اللبنانيين، وتأليب الطوائف على بعضها البعض لأن ذلك من شأنه أن يوفر عليها الكثير من الجهد لالتهاء اللبنانيين بعضهم ببعض والانكفاء عن مواجهتها أو التصدي لمشروعها التوسعي الذي بدأ يأخذ منحنيات خطيرة مع تصاعد الأصوات من داخل إسرائيل التي تتحدث عن "إسرائيل الكبرى" وضرورة التوسع شمالاً نحو جنوب لبنان لحماية القرى والمستوطنات التي لا تعرف الاستقرار.
لقد خبر اللبنانيون التجربة السيئة في السابع من أيار/ مايو 2008 التي كانت بمثابة انقلاب مسلح على فكرة العيش المشترك بين مختلف مكونات المجتمع اللبناني وهي أتت في ذروة قوة الحزب وسطوته المسلحة على الحياة الوطنية والدستورية والسياسية اللبنانية والتي لا يمكن القبول بتكرارها بأي شكل من الأشكال لأنها سوف تكون وصفة جاهزة للاقتتال الداخلي والتنكر لكل منجزات السالم الأهلي والإعمار والاستقرار (ولو الهش) التي تحققت بعد اتفاق الطائف (1989).
المطلوب من اللبنانيين في هذه اللحظة التاريخيّة التواضع والانكفاء نحو المواقع الأساسيّة والتصدي لوقف الحرب والاعتداءات وإعادة بناء المناخات الوطنية المطلوبة لتحصين الاستقرار والسلم الداخلي بما يسقط أي مشاريع لتغذية الخلافات الداخلية عبر العنف الذي اختبر على مدى 15 سنة في حرب أهلية مدمرة.
إعلان
يتم عرض هذا الإعلان بواسطة إعلانات Google، ولا يتحكم موقعنا في الإعلانات التي تظهر لكل مستخدم.






