وحدة الجبهات: التّفتيت الإيرانيّ لدول الأذرع
31 آذار 2026
04:28
Article Content
بقصف الحوثيّين العمق الإسرائيليّ بالصواريخ والمسيّرات، أكملت طهران إحياءها “وحدة الساحات” والجبهات، بعد إقحامها “الحزب” في الحرب، وتحريكها فصائل من “الحشد الشعبيّ” ضدّ القوّات الأميركيّة وكردستان العراق. تسابق إسرائيل في لبنان أيّ تفاوض محتمل أميركيّ – إيرانيّ تسعى إليه دول وازنة كباكستان وتركيا والمملكة السعوديّة ومصر، مستبقة بدورها أيّ هندسة جديدة للأدوار الإقليميّة. يوسّع بنيامين نتنياهو الحزام الأمنيّ في جنوبه، ويستفيد من إبقاء دونالد ترامب خيار عمليّة برّيّة ضدّ إيران قد تطيل الحرب.
يبدو لبنان متروكاً ضحيّة لمطحنة الحرب بين إيران وإسرائيل على أرضه، على الرغم من جهود فرنسيّة ومصريّة وسعودية غير معلنة لفصله عنها. هي جهود مثلما أحبطتها إسرائيل، بعد ربطها وقف الحرب على “الحزب” بسحب الحكومة اللبنانيّة سلاحه، أفشلتها إيران بلسان “الحزب” الذي اشترط أوّلاً وقف الحرب عليه وعلى إيران.
سقوط حجّة رفض التّفاوض
أسقط انخراط طهران في المفاوضات مع أميركا تحت النار حجّة رفض “الحزب” هذا الخيار حين طرحه الرئيس جوزف عون. أسقطت استجابة القيادة الإيرانيّة للوساطة الباكستانيّة شرط رئيس البرلمان نبيه برّي وقف إسرائيل هجماتها قبل التفاوض. ما تسوّغه لنفسها تمنعه على السلطة اللبنانيّة، وعلى حليفها الرئيس برّي. لا تكترث القيادة الإيرانيّة للنكبة التي يتعرّض لها لبنان جرّاء التدمير الممنهج والقتل والتهجير للجنوبيّين وسكّان ضاحية بيروت الجنوبيّة. تعتبر طهران تحمّل هؤلاء عبء الكارثة “جهاداً”، كما قال الشيخ نعيم قاسم، وتحتفظ بحقّ تقديم الهدايا النفطيّة لدونالد ترامب.
في الأساس يرتكز تحكّم إيران بجبهات الأذرع إسناداً لحربها مع أميركا وإسرائيل، على إضعاف السلطة المركزيّة وتهشيمها للهيمنة على قراراتها، أو تعطيل تلك القرارات المعاكسة لأهدافها. اتّهامها بالتآمر في هذه الحالة جاهز في أيّ لحظة. هكذا يسهل تحدّي هذه السلطة كما في حال قرار إبعاد سفيرها الناشط بإقحام لبنان بالحرب، خلافاً لما يشبه الإجماع الوطنيّ على رفض الانجرار إليها.
من الثّأر لخامنئي إلى إسناد تعطيل الملاحة البحريّة؟
بربط الجبهات ترهن طهران الوضع الداخليّ في الساحات التي أنشأت نفوذها فيها بالعبثيّة التي تطبع حربها. الهدف الأوّل والأخير لتوسيع الحرب هو الدفاع عن بقاء النظام. أحال تدحرُجُ مجريات الحرب، بما فيها أفق التفاوض، الأسئلة الكبرى عن مبرّرات انخراط “الحزب” فيها إلى إشكاليّات لا ينتهي سردها:
– بدأ الانخراط بالحرب بحجّة الثأر لاغتيال المرشد علي خامنئي، ثمّ باتت الحجّة الردّ على تمادي إسرائيل في انتهاك وقف الأعمال العدائيّة منذ اتّفاق وقف النار في تشرين الثاني 2024. ابتدع هذا المنطق حجّة عبثيّة أخرى مفادها أنّ إيران هي التي تسند “المقاومة” في الجنوب باستهدافها إسرائيل بالصواريخ، وليس “الحزب” هو الذي يسندها.
– بات دور “الحزب” في القتال موازياً لاستخدام طهران ورقة إقفال مضيق هرمز للضغط على الاقتصاد العالميّ. وهو إجراء يستحيل على المجتمع الدوليّ التسليم به، فتزداد عزلة إيران حيال كلّ الدول، حتّى تلك التي امتنعت عن الاشتراك في الحرب ضدّها. ما شأن “الحزب” في هذه الحال ليكون شريكاً في إسناد هدف تجتمع دول العالم على مواجهته؟ حتّى الحوثيّون بقي إسنادهم لطهران عبر التلميح بإمكان إقفال باب المندب يخضع لحسابات دقيقة قياساً إلى الكلفة التي سيدفعونها في هذه الحال.
– صار “الحزب” شريكاً لإيران في استهدافها دول الخليج العربيّ، وهو ما يعيد إلى الواجهة الموقف السلبيّ لتلك الدول حيال البلد، جرّاء عجز السلطة فيه عن لجم التحاق “الحزب” بالقرار الإيرانيّ. ظهرت طلائع هذا الموقف عبر التدابير المتّخذة في دول الخليج ضدّ خلايا مرتبطة بـ”الحزب” وبإيران. ولهذا انعكاسه على العلاقة مع لبنان المستقبليّة.
كلفة إسناد نظام “الحرس”
– إسناد إيران في الحرب، سواء كان لإشغال دفاعات إسرائيل الجوّيّة كي تتمكّن من الردّ بصواريخها على قصف الدولة العبريّة لمنشآتها النوويّة والصاروخيّة وبنيتها التحتيّة الحيويّة، يقابله افتعال بنيامين نتنياهو نكبة في الجنوب. تتسبّب قيادة “حرس الثورة” بدفعها “الحزب” إلى الحرب بمقتل مئات المقاتلين في “الحزب”، لا لتحرير الأرض بل لاستدراج احتلال جديد. وهو احتلال ستفوق كلفة إخراجه من لبنان ما خسره البلد والجنوبيّون طوال خمسة عقود بفعل التوغّلات والاحتلالات الإسرائيليّة.
– تحوّل الهدف النهائيّ والجوهريّ للمواجهة التي تخوضها طهران إلى دفاع عن بقاء النظام. وليس دخول مقاتلي “الحشد الشعبي” العراقيّ إلى الأراضي الإيرانيّة تحت شعار المشاركة في مواجهة التهديد بإنزالات برّيّة أميركيّة، قد تؤدّي لسقوط النظام، سوى دليل على أنّ وظيفة الأذرع الرئيسة حمايته، لكنّ ذلك يكشف عجز حكومة بغداد عن السيطرة على الفصائل الولائيّة وقصفها للمواقع الأميركيّة.
أمّا في لبنان فالتعبئة العقائديّة للنظام، التي انسحبت على الأذرع، دفعت بمقاتلي “الحزب” إلى القتال ضدّ القوّات الإسرائيليّة المتقدّمة في الجنوب.
استثمار إسرائيل بالعبث الإيرانيّ
لا تُلزم التسويات مع أميركا إسرائيلَ بوقف استهدافها لـ”الحزب”. تغتنم الأخيرة الفرصة من أجل توسيع الحزام الأمنيّ تارةً بحجّة الدفاع عن المستوطنات الشماليّة، وأخرى بحكم أطماعها التاريخيّة بمياه نهر الليطانيّ. هذا علاوة على تنفيذ خطّتها لربط الحزام الأمنيّ في لبنان بالحزام الذي أقامته في جنوب سوريا، في سياق طموحها إلى إقامة إسرائيل الكبرى.
من نافل القول أنّ حكّام طهران احتاجوا إلى إحداث انقلابات داخل دول أذرعها، لضمان القدرة على التفلّت من أيّ قيود تحكمها توازنات أنظمتها ومعادلاتها المحليّة. قام دور الأذرع أساساً على تفتيت السلطة المركزيّة وإضعافها في بلدانها لخدمة مشروع خارجيّ كالذي أُنشئت من أجله. تلاقي إسرائيل هذا التفتيت في لبنان بالاستثمار فيه عبر التسبّب بتغيير ديمغرافيّ، هو من الأثمان الهائلة لوحدة الجبهات، وهو ما يوجب التفكير في اليوم التالي. يتطلّب إنقاذ ما يمكن في لبنان اللجوء إلى تكتّل إسلام آباد لعلّ المعادلة الإقليميّة المنتظرة ترعاه.
إعلان
يتم عرض هذا الإعلان بواسطة إعلانات Google، ولا يتحكم موقعنا في الإعلانات التي تظهر لكل مستخدم.






