لبنان على خط الزلزال السياسي
25 آذار 2026
11:58
آخر تحديث:25 آذار 202612:12
Article Content
في لحظة إقليمية شديدة التوتر، جاء قرار طرد السفير الإيراني من بيروت ليضع لبنان في قلب العاصفة الدولية. لم يُنظر إلى الخطوة على أنها مجرد إجراء دبلوماسي تقني، بل اعتُبرت رسالة سياسية ثقيلة قد تعيد رسم موقع لبنان في معادلة الشرق الأوسط. عواصم القرار العالمية قرأت الحدث كإشارة إلى تحوّل محتمل في سلوك الدولة اللبنانية، ومحاولة لإعادة تثبيت مفهوم السيادة في ظل صراعات النفوذ المتشابكة. في الإعلام الغربي برزت تحليلات ترى أن لبنان قد يكون بدأ مسار الابتعاد التدريجي عن محور إيران، ليس بدافع الاصطفاف السياسي فقط، بل أيضًا بحثًا عن نافذة دعم اقتصادي ومالي طال انتظاره في ظل الانهيار المتواصل.
في أوروبا، خصوصًا في الأوساط الفرنسية، سادت قراءة تميل إلى اعتبار القرار محاولة لبنانية لتفادي الانزلاق إلى حرب إقليمية واسعة، وإشارة إلى رغبة في إعادة التموضع ضمن التوازنات الدولية الجديدة. هذا التفسير ترافق مع حديث عن إمكان فتح الباب أمام مبادرات دعم مشروطة بإصلاحات سياسية واقتصادية تعيد ثقة الخارج بقدرة الدولة اللبنانية على إدارة شؤونها. في المقابل، جاء الترحيب الإسرائيلي بالخطوة سريعًا وواضحًا، إذ اعتُبرت ضربة سياسية للنفوذ الإيراني على مقربة من الحدود.
أما في العالم العربي، فقد بدا المشهد منقسمًا بوضوح. إعلام قريب من دول الخليج رأى في القرار بداية لاستعادة الدولة اللبنانية قرارها السيادي وتخفيف ارتهانها لمحاور إقليمية، فيما اعتبرت أصوات أخرى أن الخطوة قد تكون استجابة لضغوط خارجية، وقد تؤدي إلى تعميق الانقسام الداخلي بدل معالجته. وبين هاتين القراءتين يقف لبنان، كعادته، على خط تماس بين الرغبة في الاستقرار ومخاطر الانفجار.
في الداخل اللبناني، يتجاوز تأثير القرار الإطار الدبلوماسي ليصيب جوهر التوازنات السياسية والطائفية. أي خطوة مرتبطة بإيران تُقرأ تلقائيًا في سياق العلاقة مع حزب الله، ما يرفع مستوى الحساسية ويغذي المخاوف من تصعيد سياسي وإعلامي قد ينعكس توترًا في الشارع، وقد بدات ملامح التصعيد السياسي من خلال موقف كل من حركة أمل وحزب الله اللذان طلبا من السفير الإيراني طلب خارجية لبنان بالمغادرة.
الأزمة الاقتصادية الخانقة تزيد من هشاشة الوضع، إذ يمكن لأي شرارة سياسية أن تتحول إلى موجة احتجاج أو اضطراب أمني محدود. ومع ذلك، هناك من يرى أن جميع القوى اللبنانية تدرك أن الانفجار الشامل سيكون كارثيًا على الجميع، ما قد يدفعها إلى إدارة الأزمة ضمن سقف مضبوط، حيث يرتفع الصخب السياسي دون أن تنفلت الأمور نحو مواجهة مفتوحة.
السيناريو الأقرب في المدى القريب يتمثل في مرحلة تصعيد بارد، عنوانها الخطاب المرتفع والضغوط الدولية المتزايدة والمفاوضات غير المعلنة خلف الكواليس. وقد يترافق ذلك مع اهتزازات أمنية موضعية إذا تداخل القرار مع تطورات إقليمية أو عسكرية، خصوصًا على الحدود الجنوبية. في المقابل، يطرح بعض المراقبين احتمال أن يفتح القرار باب إعادة تموضع دولي للبنان، حيث قد تأتي مساعدات مالية أو سياسية مشروطة بإصلاحات بنيوية وبإعادة ترتيب العلاقة مع الملفات السيادية الحساسة. غير أن السيناريو الأخطر، وإن كان أقل احتمالًا، يبقى قائمًا إذا ترافقت الضغوط الخارجية مع انهيار سياسي داخلي أو تصعيد عسكري واسع في المنطقة، ما قد يحول القرار إلى حلقة ضمن سلسلة أحداث تقود إلى صدام أكبر.
في المحصلة، يقف لبنان اليوم أمام لحظة اختبار تاريخية. العالم يراقب ويراهن، والداخل يعيش توتر الانتظار. قد تكون الخطوة بداية مسار استعادة الدولة لدورها وموقعها، وقد تكون أيضًا مدخلًا إلى مرحلة جديدة من الاضطراب. وبين هذين الاحتمالين يبقى السؤال الذي يتردد في كل العواصم: هل ينجح لبنان مرة أخرى في السير على حافة الهاوية دون أن يسقط؟
إعلان
يتم عرض هذا الإعلان بواسطة إعلانات Google، ولا يتحكم موقعنا في الإعلانات التي تظهر لكل مستخدم.






