حبس أنفاس دبلوماسيّ: قلق من صدام أهليّ
24 آذار 2026
05:53
Article Content
ينصح معظم الجسم الدبلوماسيّ المسؤولين والقادة السياسيّين اللبنانيّين بعدم ربط جهود وقف الحرب في لبنان بوقف الحرب على إيران، ويعتبرونه خطأً كبيراً. الجهود “يجب أن تنصبّ” على خطوات الدولة لإثبات حضورها في الأزمة غير المسبوقة على الأصعدة كافّة، من التفاوض مع إسرائيل مروراً بتقوية الجيش ليقوم بمهمّاته، وصولاً إلى استيعاب النازحين، وتفادي الاصطدام الأهليّ المحتمل جرّاء التغييرات الديمغرافيّة والتوتّرات الطائفيّة.
اللازمة التي يردّدها المجتمع الدوليّ أنّ لبنان ليس في رأس الأولويّات لديه، لكن يجري تنبيه الدول المعنيّة بوضعه كإحدى ساحات الحرب على إيران.
ازدياد التّعقيدات… و”الذّعر“
زيارة الأمين العامّ للأمم المتّحدة أنطونيو غوتيريش لبيروت الأسبوع الماضي جزء من الحراك الهادف لإبقاء الاهتمام بالبلد قائماً. على الرغم من شحّ التمويل الدوليّ لمعالجة أزمة النازحين الهائلة، أنتجت الزيارة طلباً دوليّاً لتخصيص 308 ملايين دولار لتغطية 3 أشهر من كلفة النزوح، مع توقّع إطالة أمده والحاجة إلى مقاربته من زوايا عدّة.
سيأتي التمويل، وقامت الحكومة بعمل جيد، لكنّ عشرين في المئة من النازحين أطفال في سنّ مبكرة جدّاً يحتاجون إلى رعاية خاصّة من زاوية الغذاء مثلاً، وتحتاج منظّمات الإغاثة إلى ضمان الوصول الصعب إلى النازحين وإيجاد أمكنة لجوئهم. يحتاج الأمر إلى معالجة التوتّر في مراكز الإيواء بين النازحين والمجتمع المضيف. تشمل المهامّ معضلة الوصول إلى الذين لم ينزحوا من قراهم لغياب القدرة على الانتقال. وهي معضلة زادت مع قصف إسرائيل لبنى تحتيّة عائدة للدولة مثل تدمير الجسور، إضافة إلى توغّلها البرّيّ. وهي خطوة تصعّب حركة جنود “اليونيفيل”، فيما إمكانيّات الجيش اللبنانيّ ضعيفة.
يستهول الجسم الدبلوماسيّ التعقيدات المتوالية: إسرائيل تستهدف مواقع محدّدة، وحين تريد اغتيال أشخاص في شقق سكنيّة يموت مدنيّون يسكنون قربها، وهذا يخلق مناخاً من الذعر. في الجلسة الأخيرة لمجلس الأمن لبحث تنفيذ القرار 1701 وجب شرح التعقيدات، منذ اتّفاق وقف الأعمال العدائيّة “التاريخيّ” في تشرين الثاني 2024. تطبيق الشقّ المتعلّق بتجريد “الحزب” من السلاح لا يعني أنّه الخطوة الوحيدة المطلوبة، لأنّ هناك وضعاً داخليّاً صعباً. أدّى شرح دوائر الأمم المتحّدة الوضع لأعضاء المجلس إلى موقف سلبيّ من “الحزب”.
معضلة “الحزب” وغياب الدّولة
ما يصدم بعض الوسط الدبلوماسيّ أنّه سمع من فرقاء لبنانيّين قولهم: اتركوا إسرائيل تنجز المهمّة. من جهة أخرى، تكمن معضلة “الحزب” في أنّه حلّ مكان الدولة التي غابت طوال 40 عاماً، وأسّس بنية تحتيّة مستقلّة عنها. لذلك المطلوب من الدولة القيام بخطوات تعيدها مرجعيّة للناس.
لا يرى هذا الوسط الدبلوماسيّ أنّ لدى الحكومة خطّة متكاملة لعودة الدولة، ويطالب الحكم الحاليّ بأن يكون “خلّاقاً أكثر”. مع أنّ الرئيس عون وأعضاء الحكومة “لا يُحسَدون” على الموقع الذي هم فيه، ويجب عدم الإسراف في لومهم، لكنّ بالإمكان أن يقوموا بأكثر ممّا قاموا به حتّى الآن، وسياسة “احتواء الحزب” لم تنجح.
مبادرة عون مهمّة ولكن…
تُبذل جهود جماعيّة متواصلة (لكن غير المضمونة النتائج) لتحييد البنية التحتيّة للدولة اللبنانيّة، مثل مطار بيروت الذي يشمل التفحّص الدائم لسير الأمور داخله: من يسيطر عليه، من يدخله ويستخدمه. حتّى الآن تبدو الأمور “جيّدة”. تصرّ تل أبيب على التأكيد أنّها إذا اكتشفت قياديّاً حزبيّاً في مكان ما في العاصمة، فستستهدفه مهما كانت النتائج.
ينظر بعض الوسط الدبلوماسيّ بأهميّة إلى مبادرة الرئيس جوزيف عون إلى إعلان الاستعداد للتفاوض المباشر مع إسرائيل، لكنّ “فقدان الثقة بين إسرائيل ولبنان” يحتاج إلى معالجة، على الرغم من استعدادات إسرائيل. القناة الوحيدة لبدء التفاوض هي الولايات المتّحدة الأميركيّة، ولا أحد غيرها. لا تسير الأمور وفق تسلسل يقضي بأن يعلن الرئيس عون مبادرته، ثمّ يأتي الإسرائيليّون ويجلسون مع الجانب اللبنانيّ، بل تحتاج إلى تمهيدات.
ماذا تريد إسرائيل؟ في البحث عن مطالبها، يكتفي المعنيّون بلبنان من الدبلوماسيّين بالنقل عن المسؤولين الإسرائيليين عدم وجود أطماع باحتلال أراضيه. “تريد إسرائيل من جارها أن تسيطر الدولة على السلاح، وغياب اللاعبين غير الحكوميّين المسلّحين، لضمان عدم استهداف أراضيها بالقصف”. على الرغم من عدم اقتناع الجانب اللبنانيّ بهذا الكلام، يقرّ هؤلاء الدبلوماسيّون بأنّهم غير متفائلين على الإطلاق بما يخصّ مجريات الحرب.
ما يعقّد مسار المفاوضات هو تضارب الشروط بين الأطراف. يشترط لبنان وقف إطلاق النار أوّلاً، وهو مطلب يبدو منطقيّاً لأنّ التفاوض تحت النار غير قابل للاستمرار. في المقابل، تعلن إسرائيل أنّها لن توقف حربها في لبنان حتّى لو توقّفت الحرب مع إيران. أمّا “الحزب” فيربط وقف إطلاقه للنار بوقف الحرب على إيران، فيما تشترط طهران أن يتضمّن أيّ اتّفاق معها إنهاء الحرب على “الحزب”.
أمام هذا التشابك في الشروط، تبدو المفاوضات وكأنّها تدور في حلقة مفرغة، وهو ما يهدّد بعدم الوصول إلى أيّ نتيجة. مع ذلك، تبقى الأولويّة كسر هذا الجمود والذهاب إلى التفاوض مهما كانت التعقيدات.
أمّا عن اقتراح تل أبيب قيام منطقة تعاون اقتصاديّ على الحدود، وإمكان الشراكة في استخراج النفط والغاز، فإنّ هذه الأمور لم تُبحث إطلاقاً، وما قاله لبنان أنّ أوّل خطوة اقتصاديّة تكون بعودة النازحين إلى قراهم، والبدء بإعادة الإعمار، ثمّ توقّفت مفاوضات الناقورة.
مع الإقرار بدور العامل الإيرانيّ في جهود إنهاء الحرب، يغلب الإصرار على أنّ رهن لبنان بالحرب على طهران هو الخطأ الأكبر.
النّزوح والقلق على السّلم الأهليّ
يبدو أنّ المجتمع الدوليّ “يحبس أنفاسه” إزاء المخاطر على السلم الأهليّ بفعل المخاوف من التغيير الديمغرافيّ بفعل التهجير، وحوادث تحصل في مواقع النزوح. حين يقال لبعض ممثّليه إنّ إسرائيل تعمل في هذا الاتّجاه وتريد أن يسيل الدم اللبنانيّ بفعل التناقضات الداخليّة، لا يستغربون ذلك، لكنّهم يسألون عن مصدر تلك المعطيات، ويعيدون التشديد على الحاجة إلى بناء الدولة لتستعيد من “الحزب” السيطرة.
على الرغم ممّا يقال عن أنّ لبنان في حلقة مفرغة: الخارج، وهو إيران راهناً، يضعف الدولة، ثمّ يُطلب من لبنان استعادة الدولة دورها للتخلّي عن السلاح، يصرّ الوسط الدبلوماسيّ على أنّ البداية هي استعادة الدولة دورها لتوفير الأمن للجميع. قد يساعد وقف النار في ذلك، لكنّ النازحين لن يعودوا سريعاً، وتفادي الصدام يحتاج إلى جهد جماعيّ داخليّ وخارجيّ.
إعلان
يتم عرض هذا الإعلان بواسطة إعلانات Google، ولا يتحكم موقعنا في الإعلانات التي تظهر لكل مستخدم.






