لبنان على حافة اللهيب: جنبلاط يقرأ الحرب قبل أن تبتلع الجميع
19 آذار 2026
08:59
Article Content
في لحظةٍ لبنانية تختنق على حافة الحرب، يتحرّك الزعيم وليد جنبلاط كما لو أنه يقرأ خريطة غير مرئية للآخرين. لا يكتفي بمتابعة الوقائع، بل يتعامل مع "ما سيأتي" قبل أن يتشكّل. هذا السلوك ليس وليد اللحظة، بل امتداد لذاكرة سياسية ثقيلة بدأت مع اغتيال والده الشهيد كمال جنبلاط، حين تعلّم أن التموضع الخاطئ في لحظة إقليمية متفجرة قد يكون ثمنه الوجود نفسه، لا مجرد خسارة سياسية عابرة.
في هذا السياق، لا تبدو مواقف جنبلاط مترددة كما يحلو للبعض وصفها، بل محسوبة بدقة على إيقاع توازن هشّ. هو يدرك أن لبنان اليوم ليس صاحب قرار الحرب ولا السلم، بل هو ساحة مفتوحة على صراعات أكبر منه. لذلك، يبتعد عن الخطابات الحادة، ويعتمد لغة تحذيرية مشبعة بالقلق، كأنه يقرع جرس إنذار مبكر: الحرب إذا توسعت، لن تبقي أحد خارجها، ولن يكون هناك رابح حقيقي في الداخل.
تحركاته بين المرجعيات السياسية والدينية لا يمكن قراءتها كجولات بروتوكولية، بل هي محاولة لإعادة نسج شبكة أمان داخلية. هو يسعى إلى تثبيت نوع من التوازن النفسي والسياسي في بلد يتفكك تدريجيًا، وإلى منع الانقسام من التحول إلى صدام. في كل لقاء، يحمل رسالة مزدوجة: أولًا، ضرورة تحييد الداخل قدر الإمكان؛ وثانيًا، الاستعداد للأسوأ دون إعلان ذلك صراحة. إنه يتحرك كوسيط، لكن أيضًا كمن يحمي خاصرة الوطن في لحظة انكشاف شامل.
في موازاة ذلك، لا يمكن فصل قراءة جنبلاط عن طبيعة الحرب الدائرة اليوم في الجنوب، والتي لم تعد مجرد اشتباك حدودي تقليدي، بل تحولت إلى حرب استنزاف مفتوحة تُدار على حافة الانفجار الكبير. ما يجري هو نمط قتال مركّب، تتداخل فيه الضربات الموضعية مع الرسائل الاستراتيجية، في محاولة متبادلة لفرض قواعد اشتباك جديدة دون الوصول إلى الحرب الشاملة. الجنوب لم يعد جبهة عابرة، بل أصبح مساحة اختبار يومي لميزان الردع، حيث تُقاس حدود القوة والصبر معًا، وتُرسم خطوط المواجهة المقبلة ببطءٍ قاتل.
أما شبح التوغل البري، فيحضر كاحتمال ثقيل في خلفية المشهد، لا كخيار قريب فحسب بل كتهديد دائم. أي اجتياح محتمل لن يكون مجرد عملية عسكرية محدودة، بل دخولًا في مواجهة معقدة مع الجغرافيا اللبنانية وخبرة قتالية تراكمت منذ حرب تموز 2006. لذلك، تبدو المرحلة الحالية وكأنها تمهيد طويل: ضربات استباقية، جمع معلومات، وتفكيك تدريجي لعناصر القوة قبل أي مغامرة برية. لكن الخطورة الحقيقية تكمن في أن لحظة الدخول البري، إذا حصلت، قد تفتح الباب أمام انفجار إقليمي واسع، يتجاوز حدود الجنوب إلى عمق لبنان وربما أبعد من ذلك.
في هذا المشهد المعقد، يقرأ جنبلاط كل تفصيل كأنه إشارة إنذار. فهو يعلم أن أي توسع في الحرب سيضع مناطق حساسة، أمام اختبارات خطيرة. لذلك، يذهب إلى أقصى درجات الحذر، محاولًا إبقاء ما تبقى من الوطن خارج دائرة النار، ليس فقط أمنيًا بل سياسيًا أيضًا. يرفع منسوب اتصالاته، ويكثف تحذيراته، ويعيد التأكيد على ضرورة ضبط الداخل، لأنه يدرك أن الانفجار إذا وقع، لن يكون بالإمكان احتواؤه بسهولة.
في المحصلة، لا يمكن قراءة جنبلاط بمعايير الثبات أو التصلب. هو سياسي يتحرك في منطقة رمادية، حيث النجاة أهم من الشعارات، والتوازن أهم من الانتصار. قد يبدو للبعض متقلبًا، لكنه في الحقيقة شديد الاتساق مع منطق واحد: البقاء وسط العاصفة. في زمنٍ ترتفع فيه الأصوات وتشتد الانقسامات، يختار أن يكون قارئًا للزلازل، لا مشاركًا في صنعها، لأن من خبر التاريخ جيدًا، يعرف أن الحروب الكبرى لا تُربح في لحظتها، بل يُنجى منها فقط. ففي زمن الانهيارات الكبرى، لا يبحث وليد جنبلاط عن البطولة، بل عن النجاة.
لا يرفع السقف، بل يقرأ السقف قبل أن يسقط. لا يصرخ، بل يهمس في لحظةٍ يضيع فيها الصوت.
جنبلاط اليوم ليس مجرد زعيم عادي، بل “مؤشر زلزالي” للتوازنات اللبنانية:
إذا هدأ… فاعلم أن العاصفة لم تصل بعد، وإذا تحرّك بسرعة… فاعلم أن شيئًا كبيرًا يُطبخ في الخفاء.
إعلان
يتم عرض هذا الإعلان بواسطة إعلانات Google، ولا يتحكم موقعنا في الإعلانات التي تظهر لكل مستخدم.






