ليتهم يعودون الى كمال جنبلاط
16 آذار 2026
19:44
آخر تحديث:16 آذار 202621:23
Article Content
عند كل منعطف سياسي وأمني خطير، كذلك الذي نعيشه اليوم، بسبب السياسات والقرارات الإرتجالية لبعض القوى التي تكاد تدمر لبنان وتقضي على كل مقوماته كدولة قابلة للحياة، وفي هذه المناسية من كل عام يحلو لبعض قصار النظر في قراءة المستجدات السياسية والظروف التي أملت إتخاذ القرارات المسؤولة بشأنها، أن يترحموا دائماً على إتفاق السابع عشر من أيار الذي أبرم مع إسرائيل في العام 1983 وأسقطه الحزب التقدمي الاشتراكي بالتحالف مع حركة "أمل" والقوى الوطنية، بعد انتصارهم الساحق على مشروع ربط لبنان بإسرائيل، وإعادة فتح طريق بيروت دمشق، وتعبيد الطريق أمام المقاومة الوطنية لتحرير الجنوب من الإحتلال الإسرائيلي.
اليوم وبمناسبة الذكرى التاسعة والأربعين لاستشهاد المعلم كمال جنبلاط، تطرقت بعض المحطات التلفزيونية المحلية مشكورة الى مسيرة المعلم الشهيد من باب رفع العتب ليس أكثر. وبعد أن وصفت إحدى المذيعات المعلم بالمفكر والكاتب والإصلاحي، أرادت الغمز من زاوية الفتنة التي ارتكبت بحق عدد من المواطنين المسيحيين في بعض قرى الجبل، والتي سبق للرئيس وليد جنبلاط أن عمل على وأدها قبل تشييع المعلم ورفيقيه حافظ الغصيني وفوزي شديد في ذلك اليوم المهيب الى مثواهم الأخير.
فكم كنا بغنى عن إعادة استحضار تلك الحوادث المشؤومة التي سبق للرئيس وليد جنبلاط الإعتذار مراراً وتكراراً من ذوي الضحايا طوال مسيرته السياسية منذ 49 عاماً حتى اليوم، وكان آخرها ما ذكره بالأمس عشية هذه الذكرى بمناسبة وضع زهرة على ضريح والده الشهيد، واعتباره كل الشهداء الذين سقطوا دفاعاً عن لبنان وكل على طريقته. ويبقى السؤال ماذا يمنع هذا الاعلام لدى الإتيان على ذكر كمال جنبلاط الحديث عنه من قبيل رفع العتب، رغم معرفتهم بالمؤامرة الكبيرة التي أعدها نظام الرئيس حافظ الأسد لإحتلال لبنان ومصادرة قراره السياسي، وتصفية القضية الفلسطينية وإغتيال قادتها وكل القيادات السياسية وعلى رأسها كمال جنبلاط؟
وعلى سبيل التذكير فقط وليس لنكء الجراح، لقد كان المعلم كمال جنيلاط مدركاً لمخاطر مؤامرة سيطرة النظام السوري على لبنان، وربما بدعم أميركي. وكان سبق لهذا النظام أن إغتال شقيقة المعلم الست ليندا جنبلاط التي رفضت الانتقال من بيتها الكائن في ما كان يعرف بالمنطقة الشرقية، وتحديداً في عين الرمانة بدارو. في مأتم شقيقته نبّه كمال جنبلاط من مخاطر الإنجرار الى الفتنة التي كان يسعى إليها النظام السوري يومذاك. وقد يكون الإعلام الذي يحاول دائماً الربط بين استشهاد المعلم والمجازر التي ارتكبت إثر هذه الجريمة التي هزت العالم، يعرف جيداً معنى مخطط إغتيال زعيم بحجم كمال جنيلاط في قرية مسيحية، في وقت كان يقوم بنشر عملائه في بعض القرى المختلطة لتأجيج الفتنة، ليتسنى له السيطرة على لبنان.
ولتذكير الوسائل الإعلامية التي ما زالت تعزف على وتر الفتنة فان كمال جنبلاط الذي رفض الإنجرار الى الحرب الأهلية في بداية الأحداث، قال في إحدى المناسبات الاجتماعية يوم الثامن من أيلول من العام 1975 عندما سئل عن تردده في دخول الحرب التي مضت عليها عدة أشهر: "نحن لا نسعى الى الحرب، ونريد فقط إصلاح النظام السياسي. لكن الجانب الآخر يريد أن يأخذ البلد الى الحرب لأنه يرفض الإصلاحات". حتى أن المعلم قبل إستشهاده بأشهر قليلة عندما بلغه أن قادة الجبهة اللبنانية طلبوا من الرئيس حافظ الأسد الدخول الى لبنان، اتصل بعضو قيادة الحزب الوزير السابق محسن دلول لترتيب لقاء مع الشيخ بشير الجميل لتنبيهه من مخاطر الدخول السوري الى لبنان، لكن الجميل لم يعطِ جنبلاط جواباً واضحاً في هذا الصدد، لأن ما كتب كان قد كتب. الى أن تمكن العقيد ابراهيم الحويجي من إغتيال المعلم ورفيقيه على منعطفات ديردوريت فدخل الجيش السوري الى لبنان على دماء كمال جنبلاط، ولم يخرج منه إلا على دماء رفيق الحريري، بعد الإجتياح الإسرائيلي وصعود "القوات اللبنانية" لمحاصرة الجبل وتقطيع أوصاله وتهجير سكانه والعمل على ربط جزين بسوق الغرب واقامة دويلة مسيحية من بشري الى القليعة، لكن سكان الجبل تشبثوا كعادتهم بأرضهم وأحبطوا مؤامرة سلخهم من جذورهم.
أما وليد جنبلاط الحريص على وحدة الجبل بجناحيه المسيحي والدرزي فأطلق في العام 1988 عامية بيت الدين الشهيرة لإعادة المهجرين المسيحيين الى قراهم وبلداتهم. فلم يتأخر النظام السوري في إجهاض هذه المبادرة بإغتيال القيادي التقدمي أنور الفطايري في احدى القرى المسيحية في منطقة الودايا. كما أصيب في هذه الحادثة النائب جورج ديب نعمة في ساقه. ومع إقرار إتفاق الطائف تولى وليد جنبلاط وزارة شؤون المهجرين وصبّ كل جهده لإتمام عودة المهجرين المسيحيين الى الجبل، فرعى المصالحات الى جانب رئيس الجمهورية الياس الهراوي في القرى التي شهدت بعض المشكلات الأليمة في مزرعة الشوف ومعاصر الشوف، وصولاً الى مصالحة المختارة الشهيرة التي رعاها الى جانب البطريرك الماروني مار نصرالله بطرس صفير، ودخل معها الجبل في مرحلة الإنماء المتوازن التي ما زلنا نشهد فصولها الى اليوم، رغم الإمكانات المتواضعة التي توفرها الدولة للأهالي. فهل يرعوي هذا الإعلام الذي لم ينفك عن العزف على وتر الفتنة ويشير الى الوقائع كما هي، أم سيستمر في غيه لغاية في نفسه؟
رحم الله المعلم الشهيد كمال جنبلاط ولتبق ذكراه نبراساً مشعاً للأجيال المتعاقبة أبد الدهر...
إعلان
يتم عرض هذا الإعلان بواسطة إعلانات Google، ولا يتحكم موقعنا في الإعلانات التي تظهر لكل مستخدم.






