المعلّم كمال جنبلاط… غاب الجسد وبقيت القضية
16 آذار 2026
09:08
Article Content
تمرّ ذكرى استشهاد المعلّم الشهيد كمال جنبلاط كل عام، فتعود معها صورة رجلٍ لم يكن مجرد زعيم سياسي في لبنان، بل كان مدرسةً فكرية ووطنية متكاملة. رجلٌ جمع بين الفلسفة والسياسة، وبين الفكر والنضال، فترك بصمةً عميقة في تاريخ لبنان الحديث وفي وجدان أجيال آمنت بما حمله من مشروع وطني وإنساني.
وُلد المعلّم الشهيد كمال جنبلاط عام 1917 في بيت عريق في المختارة، ذلك البيت الذي حمل عبر التاريخ مسؤولية الدفاع عن الجبل وصون العيش المشترك. ومنذ شبابه أظهر ميلاً واضحاً نحو الفكر والثقافة، فدرس الحقوق وتعمّق في الفلسفة، وكتب في السياسة والأدب والتصوّف، ليصبح لاحقاً واحداً من أبرز المفكرين السياسيين في العالم العربي. لم يكن جنبلاط زعيماً تقليدياً، بل كان صاحب رؤية إصلاحية واضحة دعا من خلالها إلى بناء دولة عادلة وحديثة تقوم على المواطنة والعدالة الاجتماعية.
في الحياة السياسية، أسّس الحزب التقدمي الاشتراكي عام 1949، ليكون إطاراً سياسياً وفكرياً لحركة إصلاحية تؤمن بالحرية والتقدم والعدالة الاجتماعية، وتضع “التقدمية” أولاً. ومن خلال مقاربته السياسية والاجتماعية، وقف إلى جانب القضايا الإنسانية العادلة، وفي مقدّمها القضية الفلسطينية، كما كان من أبرز الداعين إلى إصلاح النظام السياسي اللبناني وإقامة دولة المؤسسات.
لكن الطريق الذي اختاره كمال جنبلاط لم يكن سهلاً. ففي خضمّ الحرب اللبنانية وتعقيداتها الإقليمية والداخلية، بقي صوته مرتفعاً دفاعاً عن سيادة لبنان واستقلال قراره. وفي السادس عشر من آذار عام 1977 سقط المعلّم شهيداً على طريق المختارة – دير دوريت، في جريمة اغتيالٍ شكّلت صدمةً كبرى للبنان والمنطقة.
لم يكن استشهاد كمال جنبلاط حدثاً عابراً في تاريخ لبنان، بل لحظة مفصلية تركت آثاراً عميقة في الحياة السياسية والوطنية. فقد خسر لبنان واحداً من أبرز رجالاته المفكرين، فيما دخلت البلاد مرحلة أكثر تعقيداً من الصراعات والانقسامات. ومع ذلك، لم تنكسر الإرادة التي زرعها المعلّم في نفوس تلامذته ومحبيه.
في المختارة لم يكن الحزن نهاية الحكاية، بل بداية مرحلة جديدة من المسؤولية. فالمختارة التي قدّمت التضحيات عبر تاريخها حملت أيضاً أمانة الاستمرار في المسيرة. وتولى نجله الرئيس وليد جنبلاط قيادة المرحلة الصعبة، محافظاً على إرث والده السياسي والوطني، ومواصلاً الدفاع عن الخط الوطني والعربي والعيش المشترك في لبنان.
لقد بقيت المختارة، رغم العواصف، رمزاً للحكمة السياسية وإدارة التوازنات في الأزمنة الصعبة، وبيتاً جامعاً يسعى دائماً إلى حماية الاستقرار الوطني. واستمر الخط الذي رسمه المعلّم كمال جنبلاط قائماً على الحوار والانفتاح والتمسك بثوابت الحرية والعدالة الاجتماعية، والانتماء الوطني والعربي.
اليوم، وبعد عقود على استشهاده، لا يزال اسم كمال جنبلاط حاضراً في الذاكرة الوطنية اللبنانية، ليس فقط كزعيمٍ اغتيل في لحظة سياسية مضطربة، بل كمفكرٍ حمل مشروعاً إصلاحياً سابقاً لزمانه، وكإنسانٍ آمن بأن لبنان يمكن أن يكون وطناً للحرية والتنوع والعدالة، فيكون وطناً حقيقياً لا ملجأً للطوائف.
في ذكرى استشهاده، يستعيد اللبنانيون صورة المعلّم الذي لم يساوم على قناعاته، والذي دفع حياته ثمناً لمواقفه. وتبقى رسالته، التي خرجت من المختارة إلى لبنان والعالم العربي، دعوةً دائمة لبناء دولة عادلة يسودها القانون وتُصان فيها كرامة الإنسان.
هكذا يبقى المعلّم الشهيد كمال جنبلاط حاضراً في الذاكرة والتاريخ، ليس كذكرى فقط، بل كفكرةٍ مستمرة ومسيرةٍ لن تتوقف.
إعلان
يتم عرض هذا الإعلان بواسطة إعلانات Google، ولا يتحكم موقعنا في الإعلانات التي تظهر لكل مستخدم.






