بين حلم كمال جنبلاط وواقعية وليد جنبلاط: لبنان يعيش أخطر لحظاته التاريخية
16 آذار 2026
07:44
آخر تحديث:16 آذار 202607:54
Article Content
في كل عام تعود ذكرى استشهاد كمال جنبلاط لتفتح جرحًا في الذاكرة اللبنانية، لكنها في الوقت نفسه تفتح بابًا واسعًا للتأمل في معنى الرجل ومعنى لبنان نفسه. فاغتياله في 16 آذار 1977 لم يكن حدثًا عابرًا في سياق الحرب الأهلية، بل لحظة مفصلية سقط فيها أحد أكثر العقول السياسية والفكرية تأثيرًا في تاريخ البلاد. كان كمال جنبلاط حالة نادرة في السياسة العربية: زعيم يجمع بين الفلسفة والروحانية، وبين الثورة الاجتماعية والعمل السياسي، وبين العمق الفكري والقدرة على قيادة الجماهير.
من الصعب فهم شخصية كمال جنبلاط دون التوقف عند جذوره الفكرية والدينية. فقد نشأ في بيئة مؤمنة عريقة في الجبل اللبناني، حيث يرتبط فكرها بعمق فلسفي وروحي كبير. هذا الإرث الروحي انعكس على تكوينه الفكري؛ فكان يرى في الإنسان كائنًا يسعى إلى الحقيقة والمعرفة قبل السلطة. لم يتعامل مع الدين بوصفه مجرد هوية طائفية، بل اعتبره طريقًا أخلاقيًا وفلسفيًا لفهم الكون والإنسان. لذلك تأثر بالتصوف الشرقي وبالفلسفات الروحية في الهند واليونان، وكتب نصوصًا فلسفية حاول فيها الربط بين الروحانية والسياسة. بالنسبة له، السياسة بلا قيم أخلاقية تتحول إلى صراع مصالح، أما السياسة المرتبطة بالعدالة فهي امتداد لمسؤولية الإنسان تجاه المجتمع.
هذا البعد الفلسفي انعكس مباشرة على رؤيته الاجتماعية. فقد كان جنبلاط من أوائل السياسيين اللبنانيين الذين طرحوا فكرة العدالة الاجتماعية كشرط لبناء دولة مستقرة. في زمن كانت فيه السياسة اللبنانية محكومة بالتوازنات الطائفية التقليدية، جاء الرجل ليطرح سؤالًا مختلفًا: كيف يمكن أن يعيش مجتمع منقسم طائفيًا دون عدالة اقتصادية؟ ومن هنا جاء مشروعه الإصلاحي عبر الحزب التقدمي الاشتراكي، الذي لم يكن مجرد حزب تقليدي كما حاول البعض تصويره، بل منصة فكرية وسياسية للدفاع عن الفئات المهمشة وللمطالبة بإصلاح النظام السياسي.
سياسيًا، كان كمال جنبلاط صاحب رؤية تتجاوز لبنان. فقد اعتبر أن لبنان لا يمكن العيش والاستمرار معزولًا عن محيطه العربي، لذلك دعم القضايا العربية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية. لكنه في الوقت عينه كان يدرك هشاشة البنية اللبنانية، من هنا حاول الجمع بين الانتماء العربي والحفاظ على خصوصية لبنان السياسية والثقافية. هذه المعادلة الصعبة جعلته في صدام دائم مع قوى داخلية وخارجية، لأن مشروعه كان يهدد توازنات تقليدية راسخة في النظام اللبناني.
اليوم، وبعد عقود على استشهاده، تبدو الأزمة اللبنانية وكأنها تحقق أسوأ مخاوفه. فلبنان يعيش واحدة من أعمق أزماته في تاريخه: انهيار اقتصادي غير مسبوق، تفكك مؤسسات الدولة، نزيف اجتماعي وهجرة واسعة، إضافة إلى تحوله مجددًا إلى ساحة صراع إقليمي.
الأزمة الحالية ليست مجرد أزمة مالية، بل أزمة بنيوية في فكرة الدولة نفسها. الدولة التي حذر كمال جنبلاط من ضعفها أصبحت عاجزة عن إدارة الاقتصاد أو ضبط التوازنات السياسية.
إن جوهر الأزمة اللبنانية اليوم هو التناقض بين نظام طائفي تقليدي وبين مجتمع يتطور بسرعة. فالنظام السياسي ما زال قائمًا على توازنات ما بعد الحرب الأهلية، بينما المجتمع اللبناني يعيش تحولات اقتصادية وثقافية عميقة. هذه الهوة بين النظام والمجتمع تخلق حالة دائمة من الانفجار السياسي، حيث تتكرر الأزمات دون أن يجد البلد طريقًا إلى إصلاح حقيقي.
في هذا السياق يظهر دور الزعيم وليد جنبلاط، الذي ورث زعامة سياسية ثقيلة في مرحلة أكثر تعقيدًا من مرحلة والده. فبينما كان كمال جنبلاط قائدًا لمشروع يطور الأوضاع القائمة جذريًا، اختار وليد جنبلاط مقاربة مختلفة تقوم على الواقعية السياسية والقدرة على المناورة بين القوى الإقليمية والداخلية. هذا التحول لا يعني التخلي عن الإرث الفكري للأب، بل يعكس إدراكًا عميقًا بأن لبنان اليوم يعيش في توازنات شديدة الهشاشة.
قراءة وليد جنبلاط للمشهد الحالي تنطلق من قلق واضح: لبنان يقف مرة أخرى على حافة تحولات إقليمية كبيرة. الحرب الدائرة في المنطقة، الاطماع الاسرائيلية، والصراعات بين القوى الدولية، والضغط الاقتصادي الهائل على المجتمع اللبناني، كلها عوامل قد تدفع البلاد إلى مرحلة جديدة من عدم الاستقرار. لذلك يميل خطابه في السنوات الأخيرة إلى التحذير من الانجرار إلى صراعات إقليمية كبرى، وإلى الدعوة للحفاظ على الحد الأدنى من التوازن الداخلي.
لكن المفارقة أن لبنان الذي حلم به كمال جنبلاط ما زال بعيدًا. الدولة المدنية التي دعا إليها لم تتحقق، والإصلاح السياسي الذي طالب به بقي مؤجلًا، والعدالة الاجتماعية التي اعتبرها أساس الاستقرار ما زالت غائبة. ومع ذلك، فإن حضوره الفكري لا يزال حيًا في النقاشات السياسية والفكرية حول مستقبل لبنان.
في ذكرى استشهاده، لا يبدو كمال جنبلاط مجرد شخصية من الماضي، بل فكرة مستمرة في الزمن اللبناني: فكرة أن السياسة لا يمكن أن تكون إلا أخلاقًا، وأن الزعامة يجب أن تقترن معرفة، وأن لبنان يمكن أن يكون أكثر من مجرد ساحة صراع بين الطوائف والمحاور. وبين الفلسفة التي حملها الأب والواقعية التي يمارسها الابن، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يستطيع لبنان يومًا أن يحقق الرؤية التي دفع كمال جنبلاط حياته ثمنًا لها؟
إعلان
يتم عرض هذا الإعلان بواسطة إعلانات Google، ولا يتحكم موقعنا في الإعلانات التي تظهر لكل مستخدم.






