هل فتحت إسرائيل في البقاع أحد أقدم ملفاتها المفقودة؟
إنزال النبي شيت… بين نار المواجهة ولغز رون أراد
07 آذار 2026
14:27
آخر تحديث:07 آذار 202614:28
Article Content
لم يعد العدوان الإسرائيلي على لبنان يقتصر على الغارات الجوية أو القصف المدفعي عبر الحدود، بل دخل مرحلة أكثر تعقيدًا تعتمد على العمليات الخاصة والإنزالات السريعة داخل العمق اللبناني. وما جرى في البقاع، وتحديدًا في محيط بلدة النبي شيت، لم يكن حادثة عسكرية عابرة، بل عملية تحمل أبعادًا استخباراتية واستراتيجية تتجاوز لحظة الاشتباك نفسها.
فمنطقة النبي شيت تقع في قلب البقاع الشرقي، في جغرافيا حساسة تربط بين الداخل اللبناني والحدود السورية، وهي منطقة تعتبرها إسرائيل جزءًا من العمق اللوجستي للمقاومة. لذلك فإن أي محاولة إنزال في هذه المنطقة تعني أن إسرائيل حاولت نقل المواجهة من حدود الجنوب إلى العمق اللبناني، في خطوة تحمل رسائل عسكرية ونفسية في آن واحد.
تشير طبيعة العملية، وفق المعطيات المتداولة، إلى أن القوة الإسرائيلية حاولت تنفيذ عملية خاصة محدودة الزمن، وهي من التكتيكات التي تعتمدها وحدات النخبة الإسرائيلية في الحروب غير المتكافئة. عادةً ما تكون أهداف هذه العمليات واحدة من ثلاث: اغتيال هدف محدد، تدمير موقع حساس، أو جمع معلومات استخباراتية دقيقة. لكن ما حدث في النبي شيت بدا مختلفًا، لأن الروايات المتقاطعة رجّحت أن الهدف قد لا يكون عسكريًا مباشرًا، بل مرتبطًا بملف قديم يعود إلى ثمانينيات القرن الماضي.
المعلومات التي بدأت تتسرّب بعد الحادثة رجّحت أن يكون هدف العملية مرتبطًا بالبحث عن رفات الطيار الإسرائيلي المفقود منذ عام 1986 Ron Arad، أو الحصول على عينة بيولوجية من موقع يُعتقد أنه قد يحتوي على بقايا مرتبطة به. وإذا صحّت هذه الفرضية، فإن ما جرى في البقاع لا يمكن فهمه كعملية ميدانية عادية، بل كجزء من حرب استخبارات طويلة تسعى إسرائيل من خلالها إلى إغلاق أحد أكثر ملفاتها غموضًا وإيلامًا.
اختفى رون أراد في تشرين الأول عام 1986 بعد سقوط طائرته خلال عملية عسكرية فوق جنوب لبنان. وقد وقع في الأسر لدى مجموعات مقاومة في تلك المرحلة، قبل أن تختفي أخباره لاحقًا في ظروف غامضة. منذ ذلك الوقت تحوّل مصيره إلى قضية وطنية داخل إسرائيل، إذ تعهّدت الحكومات المتعاقبة بالكشف عن مصيره أو استعادة رفاته مهما طال الزمن. ولهذا السبب بقي الملف مفتوحًا في أروقة أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، التي نفّذت على مدى عقود عمليات بحث وجمع معلومات في لبنان وسوريا وحتى في دول أخرى.
في هذا السياق، اكتسبت المعلومات المتعلقة باختطاف الضابط اللبناني المتقاعد أحمد شكر قبل أشهر أهمية خاصة. فبعض التسريبات أشارت إلى أن التحقيق معه قد يكون وفّر خيطًا جديدًا أو إشارة جغرافية محتملة تتعلق بمصير أراد أو بمواقع كانت مرتبطة بالملف في الماضي. وفي عالم الاستخبارات، قد تكون معلومة صغيرة أو شهادة قديمة كافية لإطلاق عملية خاصة، حتى لو كانت احتمالات النجاح محدودة.
إذا كانت هذه الفرضية صحيحة، فإن العملية الإسرائيلية في النبي شيت قد تكون هدفت إلى استخراج عينة من موقع معيّن لفحص الحمض النووي أو التربة، في محاولة للتأكد مما إذا كانت المعلومات الجديدة صحيحة. وهذه ليست المرة الأولى التي تلجأ فيها إسرائيل إلى مثل هذه العمليات، إذ سبق لها أن نفذت مهمات سرية في دول مختلفة للبحث عن رفات جنود مفقودين.
لكن الأهمية الحقيقية لما جرى لا تكمن فقط في الهدف المحتمل للعملية، بل في الرسالة الاستراتيجية التي تحملها. فتنفيذ إنزال في عمق البقاع يعني أن إسرائيل أرادت أن تظهر قدرتها على الوصول إلى أي نقطة داخل لبنان إذا اعتبرت أن لديها هدفًا مهمًا. وفي المقابل، فإن تصدي حزب الله للعملية يعكس حرصه على منع إسرائيل من تثبيت نمط عملياتي جديد يسمح لها بتنفيذ عمليات خاصة داخل العمق اللبناني.
من هنا يصبح السؤال الأهم، هل ما حدث كان عملية محدودة مرتبطة بملف قديم، أم أنه بداية مرحلة جديدة من المواجهة؟
هناك عدة سيناريوهات محتملة. السيناريو الأول أن تكون إسرائيل قد حصلت فعلًا على معلومات جديدة عن مصير رون أراد، ما دفعها إلى تنفيذ عملية تحقق ميدانية سريعة. وإذا كان هذا الاحتمال صحيحًا، فقد نشهد عمليات مشابهة في أماكن أخرى من لبنان أو حتى في سوريا إذا اعتقدت تل أبيب أن هناك مواقع أخرى مرتبطة بالملف.
السيناريو الثاني أن تكون العملية جزءًا من حرب استخباراتية أوسع، حيث تسعى إسرائيل إلى جمع معلومات عن البنية العسكرية أو اللوجستية لحزب الله في البقاع تحت غطاء البحث عن الطيار المفقود. في هذه الحالة قد تكون الرواية المرتبطة برون أراد مجرد واجهة إعلامية لعملية استطلاع أعمق.
أما السيناريو الثالث فهو أن العملية تحمل بعدًا نفسيًا وسياسيًا، إذ تحاول إسرائيل من خلالها توجيه رسالة مزدوجة: الأولى لجمهورها الداخلي بأنها لا تزال تبحث عن جنودها المفقودين مهما طال الزمن، والثانية لخصومها بأنها قادرة على اختراق العمق اللبناني متى شاءت.
لكن في المقابل، فإن فشل أي عملية من هذا النوع أو التصدي لها ميدانيًا قد يؤدي إلى نتيجة معاكسة تمامًا، لأنه يعزز معادلة الردع ويؤكد أن العمق اللبناني ليس ساحة مفتوحة للعمليات الخاصة.
في النهاية، قد يبقى ما جرى في النبي شيت محاطًا بالغموض، كما بقي مصير رون أراد نفسه غامضًا لعقود. لكن المؤكد أن عودة هذا الملف إلى الواجهة بعد ما يقارب الأربعين عامًا تكشف أن الصراع بين إسرائيل ولبنان لا يقتصر على الحاضر فقط، بل يحمل في داخله طبقات من التاريخ غير المحسوم.
وهكذا، قد يكون إنزال النبي شيت أكثر من مجرد مواجهة عسكرية عابرة؛ ربما كان محاولة لنبش لغز مدفون منذ عام 1986… لغزٍ لا تزال إسرائيل تبحث عنه في جغرافيا لبنان، بين الأرض والذاكرة والظل.
إعلان
يتم عرض هذا الإعلان بواسطة إعلانات Google، ولا يتحكم موقعنا في الإعلانات التي تظهر لكل مستخدم.






