شحاذين يا بلدنا!

وهيب فياض |

وسوس لي عقلي المسجون، وقلبي المدمى، ان أقول بدون قفازات، ما يجول بخاطري، عن وطن الشحاذة، عَل ما سأقوله يوقظ في نفوس اللبنانيين، ما يجول في عقلهم الباطن.

لبنان ليس كما يدعون، وطن الأرز، فالأرز موجود بأنواع كثيرة، وبكميات هائلة، في كل بلدان العالم، وان بأنواع متعددة، وليست العزة والكرامة من صفاته كما اتخمتنا الكتب والمقالات.

ولا وطن السيادة والحرية والاستقلال، وهو الذي يرزح دائما تحت احتلال او انتداب، منذ بدء التكوين، وصخور نهر الكلب، شاهد علينا، وليست شاهدا لنا كما يدعون، فنحن نؤرخ متى خرج كل احتلال، بفخر العاهرة التي تدعي العفة بين زبون وزبون. 

وليس وطن المقاومة، فنحن ما قاومنا الا بَعضُنَا، لان كل فئة منا تفضل احتلالا على احتلال، وانتداب دولة على انتداب اخرى. 

نبيع الأرز لبناء الهياكل، لنأكل، ثم ندعي ان الهياكل بفخر صنعت من أرز لبنان العظيم . 

ونستبيح السيادة لنستقوي على اخر محتل ، ومن يوالونه من ابناء وطننا، لاستبداله بمحتل اخر ، فنخرج من ذبحنا لصالح من يتعطش لشرب دمائنا، وينتصر فريق منا على الاخر مع كل محتل جديد. 

بعض المحتلين يدخلون الى بلادنا بجيوشهم جهارا نهارا، ويجدون دائما ايا كانت جنسيتهم، من يرش عليهم الأرز والورود، نكاية بغيره، وبعضهم لا يحتاجون الى الجيوش، فيستكرون (تيمنا بالمكارية) من ابناء الوطن من يتجند في صفوفهم، ويحارب بسيوفهم، ويتبنى وجهة نظرهم . 

وعندما يصبح المحتل عتيقا في الكار، ويكتشف انه قد اكتفى من استثمارنا، يهج من كثرة نقّنا، لنستبدله باخر  يعتقد انه احتل ارض اللبن والعسل، لحين يكتشف ان ليس في لبنان لا لبناً ولا عسلا، وان بقرته جافة الضرع، ونحله ذكور تجيد القرص ولا تجيد الجني. 

نتبجح بحب تراب الارض، ونزرع فيه صفقات النفايات السامة المستوردة من الخارج، والتي لم نعرف حتى الان من استوردها ومن أين، واين دفنت، وننساها، فيذكرنا بها ارتفاع عدد المصابين بالسرطان من مفعولها. 

واذا ضاقت بِنَا الحال، وهي كذلك دوما، نتفرغ لمهنتنا الاساسية التاريخية وهي الشحاذة، ونسمّيها ديونا، والفرق واضح بين الشحاذة والدَين المديون يأخذ دينه ويلتزم بوفائه، والشحاذ يعرف انه لن يرد ما شحذه، الا أدعية بطول العمر والصحة لمن احسن اليه، فإذا وعد الشحاذ المحسن برد الحسنه على انها دين، زاد على صفته صفة، فصار شحاذا ومحتالا. 

لقد امتهننا كار الشحاذة من زمن، وزدنا عليه كار الاحتيال. 

اليست أثمان كل ما تدفق على لبنان من سلاح وذخيرة ومعدات حربية طيلة فترة الحرب الأهلية شحاذة؟ 

اليست كل الهبات العينية والحصص الغذائية المعلبة شحاذة؟

اليست كل أموال الدول التي صرفت لإعادة الإعمار، بعد كل حرب او معركة، سواء بين أهل الداخل، او بينهم وبين الخارج ايا كان شحاذة؟

أليس تسيير الاقتصاد اللبناني بالأموال التي أغدقها العرب والمسلمون على منظمة التحرير ايام الحرب شحاذة؟ 

أليس تزويد الجيش اللبناني بالآليات المستعملة والمستهلكة، والأسلحة التي تخطاها الزمن والتكنولوجيا، حتى لا تتكبد الجيوش الواهبة كلفة اتلافها، شحاذة.

اليست الصواريخ المنصوبة عندنا، التي يعتقد البعض انهافخرنا وعزتنا وكرامتنا، فيما يعتقد البعض الاخر انها مصدر بلائنا ومصائبنا، شحاذة؟

نعم نحن شحاذون، ولئن كان الشحاذ في العادة بلا كرامة ، فالشحاذ اللبناني بلا كرامة وبلا شرف. 

يتخلى الشحاذ عن كرامته بمد اليد عندما يجوع، فإذا كان بلا شرف أيضا، انفق ما جاد عليه المحسنون به على الملذات والموبقات، فتراه عند ممارسة الشحاذة، ملوي العنق، رث الثياب، مكسور الجناح، وعندما يصرف ما جناه، تراه أنوفا، بهي الطلة، طاووسي الريش 
في لبنان نوعان من الشحاذين، ولو انهم جميعا تخلوا عن الكرامة والشرف. 

نوع منهم يترأس الطاولات، ويحسن ممارسة المهنة، مع ارباب السلطة والنفوذ والمال ممن يحكمون العالم، وهذا سياسي فرئسوه. 

ونوع يجلس تحت الطاولة، يتلقط رزقه من بقايا ما يأنفه الجالسون على الطاولة، ليس تعففا، بل لقلة قيمته، او لقوة رائحته، او لشدة وسخه، وان كان لا ينسى ان يأخذ نسبته من المكسب لاحقا، والنوع الثاني هو الجمهور فإدعسوه . 

اعرف انني قد جاوزت الحد في الوصف، ولكن عقلي المسجون وقلبي المدمى، فيهما مما لا يقال، اكثر بملايين المرات مما وصفت 
بلد تفه.