لمصلحة من تُهرّب العملة الخضراء من لبنان إلى سوريا؟

27 أيلول 2019 21:16:46

يتضح يوماً بعد يوم أن أزمة لبنان، وبتشعّباتها كافةً، ليست من صُنع اللبنانيين وحدهم، بل هي رجعُ صدى وتردّداتٍ لأزماتٍ أخرى تصيب المنطقة، منها أزمة الاقتصاد السوري، وأزمة العقوبات الأميركية على روسيا وإيران وتوابعهما في لبنان والمنطقة. وبات يشعر اللبناني أن شبح شعار "وحدة المسار والمسير"، وشعار "تلاقي جبهات دول الممانعة"، يطارده في الاقتصاد، وفي تقنين سيولة العملات الأجنبية، لا سيّما الدولار الأميركي. كما تطارده محاولات المصادرة اليومية للموقف الرسمي المستقل للدولة اللبنانية، وجرّها إلى محورٍ إقليمي، "فارسي"، في مواجهة محورٍ عربي- دولي، وذلك بعد أن بات شعار النأي بالنفس يقبع في أدراج وزارة الخارجية. كما تطارده سياسة كمّ الأفواه والملاحقات التي تخرج إلى الضوء من حين إلى آخر، وكان آخر ضحاياها جريدة "نداء الوطن".

لقد بات واضحٌ للعيان بأن اختفاء الدولار الأميركي من الأسواق اللبنانية متعدّدُ الأوجه، منها الخوف من العقوبات الأميركية على المصارف اللبنانية أسوةً بمصرف الجمّال، وهو ما دفع العديد من المودعين إلى سحب أموالهم من المصارف المحلية إلى المصارف الخارجية، أي كما هو حال كبار المودعين، أو سحبها لتشغيلها في مكاتب الصيرفة، أو الاحتفاظ بها في المنازل، كما هو حال صغار المودعين.

إلّا أن مصادر مصرفية كشفت أن السبب الأكثر تأثيراً على اختفاء الدولار من الأسواق اللبنانية، هو اكتشاف عمليات سحب وتهريب متعمدة للعملة الأجنبية من المصارف اللبنانية إلى سوريا، وذلك بطلبٍ من النظام السوري، وهو ما دفع المصارف اللبنانية إلى اتّخاذ الإجراءات الكفيلة بحماية مواردها من العملات الأجنبية. وكشفت المصادر بأن الأزمة في لبنان بدأت تتفاقم منذ اتّخاذ النظام السوري  التدابير الإجرائية بحقّ شركات رجل الأعمال رامي مخلوف في أوائل أيلول الجاري، وبحيث يتردد في أوساط رجال الأعمال السوريين بأنّه ممنوعٌ من مغادرة سوريا.

وفي هذا السياق كشفت مصادر موثوقة لجريدة "الأنباء" أن الخلاف بين الأسد وابن خاله بدأ منذ أن "طلبت روسيا ثلاثة مليارات دولار من الأسد لتسديد بعض الديون المستحقة"، والذي بدوره طلب المبلغ من خاله محمد مخلوف المقيم في روسيا، و"المريض جداً". لكن رامي اعتذر عن عدم قدرته على تأمين المبلغ بحجة عدم وجود "كاش" (سيولة مالية)، وهو ما دفع الأسد لإصدار أمرٍ باستحضار مديري الشركات والدفاتر والوثائق.

وتوحي طريقة استحضار المديرين والوثائق عبر أمن القصر الرئاسي وسياراته، بالاعتقاد إلى أن الأمور قد تنتهي بتصفية أموال الشركات التابعة لآل مخلوف، واعتقال رامي مخلوف، وذلك وفق الشائعات المتداولة بين الموظفين في الشركات.

وتكشف المصادر، التي فضّلت عدم الكشف عن اسمها، أن، "هناك سببان للخلاف بين الرئيس الأسد ورامي مخلوف. الأول هو طلب روسيا سداد ديون عاجلة، بين 2 أو 3 مليارات دولار، وتلكؤ رامي مخلوف عن تأمين المبلغ. والسبب الثاني هو أنّ محمد مخلوف، خال الأسد - والذي يقيم خارج سورية بشكلٍ شبه دائم في روسيا منذ سنوات، ويدير معظم الملفات المالية، كملف الحجز على الأموال، وخرق العقوبات، وحتى دفع مبالغ لموسكو - يعاني من حالة صحية متردية هذه الفترة، وهو ما أخاف الأسد الذي طلب وثائق تتعلق بالأموال والشركات التي يديرها أولاد محمد مخلوف. لكن رامي، الابن الأكبر، لم يعط الوثائق، ولا حتى المبلغ المطلوب لروسيا ما ولّد هذا الخلاف، وذلك بعد أن شكّل رامي مخلوف واجهاتٍ كثيرة تمكّن من خلالها الأسد إخراج أموال كثيرة  من سوريا منذ عام 2012".

وتوضح المصادر أن "هناك ترابطاً بين الشركات العائدة لآل مخلوف في الداخل والخارج، وبين دمشق واللاذقية بسوريا، ولبنان، وجنوب أفريقيا، وماليزيا، والنمسا ودبي في الخارج. ولا أحد يعرف تفاصيل تلك الشركات، وأرباحها، ومواقعها، سوى محمد مخلوف وأولاده ومحامي الشركات. ففي الداخل السوري تتواجد عشرات الشركات، والمصارف، وشركات التأمين العائدة لمخلوف، أو أنه يمتلك حصةً كبيرة فيها. ومن هذه الشركات "سيريتل" للاتصالات، والحصة الأكبر له تتواجد في شركة الاتصالات الثانية "تسعة أربعة"، فضلاً عن شركات استيراد "راماك"، وشركة "شام" القابضة، وجمعية "البستان"، وذلك بالإضافة إلى ثلاثة مصارف، وشركتَي تأمين، وشركة "شام" القابضة وغيرها، وهو ما يشير إلى أن الخلاف بين بشار الأسد، وخاله محمد مخلوف وابنه رامي، هو السبب الأول وراء تهاوي الليرة السورية، التي لامس سعر الدولار فيها 690 ليرة سورية، وهو أدنى سعر تتهاوى إليه الليرة في تاريخ سوريا".

وتكشف المصادر أن الأسد "عيّن ضابطاً في القصر الجمهوري في منصب مدير عام شركة "سيريتل" للاتصالات، والمملوكة من ابن خاله رامي مخلوف. والضابط هو برتبة عميد مع صلاحيات واسعة، كما أن مرجعيته فقط هو بشار الأسد، ولم يعد هناك من صلاحياتٍ للمديرة التنفيذية للشركة ماجدة صقر، ولا لمدير الموارد البشرية سهيل صهيون، أو لغيرهما من مديري الفروع في المحافظات أو الخارج. كما أنه ثمة تحذيرٌ لموظفي شركة "سيريتل" بعدم الخوض أو نقل أي معلومات خارجها، وذلك تحت طائلة المعاقبة بالطرد".

وأشارت المصادر إلى صدور قراراتٍ حكومية عليا في دمشق سوف تعلن قريباً، وهي تتعلّق بالحجز على أموال بعض كبار رجال الأعمال في سوريا، مع ترجيح كسر الجرة برأس من بدأت هيئة غسل الأموال التحقيق معهم. وهناك حجرٌ على 300 مليون دولار عائدة إلى وزير التربية أيمن جابر. كما أن محمد حمشو دفع مبلغ 350 مليون دولار، وفرّ إلى بيروت بحجة مرافقته لأبيه المريض".

وتقول المصادر إن "تحقيقاتٍ بتهم الفساد، والجني غير المشروع، واستغلال ظروف الحرب، قد فُتحت بحق نحو 20 رجل أعمال، وأن قراراً بجمع الأموال بنحو عشرة مليارات دولار من كبار المتمولين قد اتُّخذ، لا سيّما من تمّ وصفهم بتجار الأزمة".

كما اتُّخذ قرارٌ بحل جمعية "البستان"، وملاحقة المسؤولين فيها، وفي مقدمتهم رامي مخلوف. وقامت دوريات من القصر الرئاسي بمداهمة مقرات الجمعية في اللاذقية ودمشق وطرطوس. وصادرت الدوريات معدّات إلكترونية، وملفات الجمعية ووثائقها، إضافةً إلى أموالٍ كثيرة من أصحاب الأسماء التي تنامت ثرواتهم نتيجة رواتبهم المرتفعة التي كان يدفعها لهم سامر درويش مدير الجمعية.

وأوضحت المصادر أن روسيا راضيةٌ عن الإجراءات التي بدأت تطاول كبار رجال الأعمال بتهمة الفساد، بما في ذلك ملف الفساد في المؤسّسة الرئاسية، والذي تشرف على متابعته زوجة الأسد، وذلك بعد إجازة لونا الشبل بداعي الإنجاب. 

في السياق ذاته نشرت قناة TRT  التركية تقريراً تساءلت فيه عمّا إذا كان الرئيس السوري بشار الأسد يستطيع الحفاظ على علاقته مع حليفيه روسيا وإيران، "اللذَين يبدو بأنّهما يتسابقان على رسم مستقبل البلاد الاقتصادي" مع اقتراب الحرب من نهايتها. 

القناة التي أوضحت أنّ نخبة رجال الأعمال السوريين، والذين وقفوا إلى جانب الأسد، يتمتعون بنفوذٍ أكبر على مستوى رسم مستقبل البلاد الاقتصادي بالمقارنة مع السياسيين، وسلّطت الضوء على التدابير التي اتخذتها السلطات السورية بحق شركات رجل الأعمال رامي مخلوف في أوائل أيلول الجاري، لافتةً إلى أنّه يتردد بأنّه ممنوعٌ من مغادرة سوريا. وتحدّثت القناة عن عمل مخلوف مع إيران، و"أنه نجح في السنوات السابقة في بناء علاقةٍ مع الحكومة الإيرانية، وفي مساعدة رجال الأعمال المرتبطين بها في سوريا على إبرام بعض العقود. وكذلك عبر ممارسة الضغوط على مخلوف، تسعى روسيا إلى تحجيم وجود أعمال الشركات المرتبطة بإيران والمتنامية بقدر استطاعتها". 

والقناة رأت أنّ نفوذ الشركات الإيرانية المتنامي في سوريا لا يعدّ إشارةً جيدة بالنسبة إلى روسيا، كشفت أنّ روسيا عرقلت عدداً من المشاريع الإيرانية منذ تموز الفائت، وأنّ أنشطة إيران التجارية تُمارَس عبر رجال أعمال لبنانيين بشكلٍ أساسي كإجراء حمائي. ونقلت عن تقرير صدر عن "مركز عمران للدراسات الاستراتيجية" قوله إنّ وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك السورية وافقت على إنشاء 297 شركة خاصة على الأقل، بما فيها مؤسّسات لرجال أعمال لبنانيين.

 تقرير محطة الأخبار التركية، ومعلومات المصادر الموثوقة الأنباء، تتطابق وتتقاطع مع معلوماتٍ كثيرةٍ جرى تداولها في الساعات الماضية، والتي تفيد بأن انقطاع العملة الخضراء في السوق اللبنانية يعود إلى محاولات تهريبٍ من لبنان إلى سوريا عبر شبكة منظّمة مؤلفة من لبنانيين وسوريين وفلسطينيين، وجنسيات أخرى مقرّبةٍ من النظام السوري، وبحيث تقوم هذه المجموعات بعمليات سحب كثيرة من المصارف الآلية في سبيل تحويلها إلى سوريا لمدّها بالعملة الصعبة التي تُعاني من ندرتها، إمّا نقداً أو عبر شراء محروقات، ومواد أوّلية، وبضائع، وتهريبها عبر معابر غير شرعية.