العدو الإسرائيلي واتصالات الموت.. جريمة موصوفة جديدة
20 شباط 2026
05:35
آخر تحديث:20 شباط 202605:41
Article Content
في بلدة طلوسة، كان أحمد ترمس، البالغ من العمر 62 عامًا، يزور عائلته. كان جالسًا مع زوجته في منزل شقيقها. دوّى صوت طائرة مُسيّرة في السماء، ثم تبعتها أخرى. وما إن دخل حتى رنّ هاتفه. أجاب أحمد. كان الصوت على الطرف الآخر باردًا وواضحًا:
"هل أحمد ترمس موجود؟"
أجاب بالإيجاب، ليضيف المتصل: "معك الجيش الإسرائيلي، يا أحمد. ستموت معهم… أم وحدك؟"
أجاب فورًا: "وحدي". ثم أنهى المكالمة. تبدّل وجهه. نظر إليه شقيق زوجته، سليم، وسأله: "ماذا يحدث يا أحمد؟"
أجابه بهدوء وحزم: "إنهم الإسرائيليون. غادروا واتركوني هنا. يقولون: إما أن تموتوا معي… أو أموت وحدي".
لم يتوسّل. لم يصرخ. طلب منهم أن يرحلوا، أن ينجوا بأنفسهم، وأن يتركوه يواجه مصيره وحده. رفضوا في البداية، مؤكدين أنهم لن يتركوه، وأنهم سيموتون معه. هدّأهم، وأقنعهم بالمغادرة.
للحظة، لم يدرك أنه ليس في منزله. ثم فهم. لم يُرد أن يحوم الموت حول بيتٍ ليس بيته. قرر أن يُبعد الموت عنهم. ودّعهم. صعد إلى سيارته. أدار المحرك وابتعد عن المنزل، ثم أوقف السيارة.
بعد ثوانٍ قليلة، أطلقت الطائرة المُسيّرة صاروخين. اشتعلت السيارة. تمزّق جسد أحمد. احترق… لكن قصته بقيت.
أحمد كان قد ودّع ابنه حسن، الذي سقط شهيدًا قبل عامين. وقبل نحو عام، رآه في المنام يخبره أنهما سيلتقيان في شباط. أخبر كنّته بذلك، فردّت مازحة: "إذًا ستستمر الحرب عامًا آخر؟ ربما خمسة أعوام!" فأجابها أن ابنه حدّد شباط المقبل. وقد صوّره أحدهم وهو يكرّر أنه سيُستشهد في شباط، واليوم بدأ أبناء بلدته بتداول هذا المقطع، كما تداولوا من قبل حديثه عبر "واتساب".
لا أحد يعلم ماذا يشعر الإنسان حين يتلقّى اتصالًا يحدّد له موعد موته. لا أحد يعرف كيف تنقلب الحياة في ثوانٍ، وكيف يُجبر بعدها على الاختيار: أن يموت وحيدًا… أو يموت مع أحبّته.
أي قلب يحتمل مكالمة تُجبر صاحبها على اختيار طريقة موته والانفصال عن عائلته؟ أي قوة، وأي شجاعة، وأي إيثار يملكه هؤلاء ليقفوا ثابتين في مثل هذه اللحظة؟
قبل أحمد، كان شاب آخر يقود سيارته وزوجته إلى جانبه. تلقّى الاتصال نفسه. أوقف السيارة. أنزل زوجته. أبعدها. ثم سار وحده نحو الصاروخ.
تتكرّر هذه المشاهد في الجنوب. اتصالٌ يفصل بين الحياة والموت. شبّان يسيرون نحو موتهم بعزيمة لا تتزعزع.
تردّدت قبل أن أكتب. لم أكن أعلم إن كان للكلمات معنى أمام هول ما يحدث. سألت نفسي: أهي هزيمة… أم انحدار إلى الجحيم؟ ثم أدركت أن أصواتنا وكلماتنا يمكن أن تكون شكلًا من أشكال المقاومة في وجه آلة القتل الإسرائيلية.
ما أنبل هؤلاء الشهداء.
فالخلود يبدأ بذاكرة من رحلوا
إعلان
يتم عرض هذا الإعلان بواسطة إعلانات Google، ولا يتحكم موقعنا في الإعلانات التي تظهر لكل مستخدم.






