الواقع العربي في ضوء استراتيجية الأمن القومي الأميركي الجديدة
17 شباط 2026
10:39
آخر تحديث:17 شباط 202612:28
Article Content
يبدو العالم العربي، أو الشرق الأوسط الكبير، مكان اختبار للمقاربات الدولية الجديدة من مختلف جوانبها العسكرية والسياسية والاقتصادية، بينما يعيش العالم لحظات سياسية استثنائية لا يمكن الحكم على نتائجها، أو اعتبار هذه النتائج وبالاً خالصاً، وقد تكون على غير ما يتوقَّع الكثيرون، ذلك أن احتمالية نشوب حرب كونية أصبحت مستبعدة بموجب المعطيات المتوافرة، لكن الحروب على القطعة قد تنتشر على شاكلة واسعة، وهي مؤذية حيت تُصيب، كما أنها بالغة الخطورة على مستقبل الإنتظام الدولي المُهدذَد على كلِ حال.
أعلنت إدارة الرئيس دونالد ترامب استراتيجية الأمن القومي الأميركي الجديدة في 4 كانون الأول/ديسمبر 2025، وطوَت صفحة الاستراتيجية السابقة للعام 2022. وتضمنت صفحات الخطة الـ 33؛ خارطة طريق مختلفة عن السابقة، لا سيما حول ركائز السياسة الخارجية فجاءت القارة الأميركية (وفق عقيدة منرو) أولى الأولويات في الخطة، والمحيط الهادئ وشرق آسيا ثانية فيها، وأوروبا خرجت الى المرتبة الثالثة، والشرق الأوسط جاء بعدها ولكنه حافظ على أهميته واقعياً بالنسبة للإدارة الترامبية، خصوصاً لكونه أهم معبر للتجارة الدولية، وفيه مخزون طاقة هائل. لكن الهدف الأساسي للاستراتيجية؛ هو الحفاظ على التفوق العسكري والتكنولوجي والاقتصادي، والابقاء على وضعية الولايات المتحدة كأعظم دولة في التاريخ (كما ذكرت الخطة حرفياً) والتي حملت شعار "أميركا أولاً".
وإذا كانت العلامة الفارقة للاستراتيجية الجديدة برزت في مقاربة العلاقة مع الحلفاء الأوروبيين، لناحية الطلب منهم تحمُّل مسؤولية الشراكة، وفي وصف القارة بأنها في تراجع دائم؛ فإن ملامح السياسة الأمنية الأميركية الجديدة تجاه الشرق الأوسط لا تقلُّ شأناً، وفيها خيارات مختلفة عن السابق، لناحية توصيف المنطقة كونها لم تعُد المصدر الأساسي للطاقة الأحفورية كما كانت، ولم يعُد التنافس عليها حاداً كما في السابق، لأن السباق يدور حول المناطق التي تحتوي المعادن الخفيفة الثمينة، لا سيما الكوبالت والليثيوم، وهما ضروريان لإنتاج الطاقة المُتجددة، ومن دونهما لا يمكن تخزين الطاقة الكهربائية النظيفة، وغالبية هذه المعادن موجودة وسط أفريقيا ووسط آسيا، وفي القارة الأميركية الجنوبية وربما في جزيرة غرينلاند القطبية، ولم يتبين أن العالم العربي منطقة مخزون كبير منها، أقله حتى هذه اللحظة. لكن الثابت في النهج الأميركي الجديد، هو بقاء أولوية الحفاظ على أمن إسرائيل في الصدارة، وفقاً لما كان معتمداً على الدوام.
تحدثت الخطة عن حلفاء عرب يعوَّل على العلاقة معهم، ويمكن الاعتماد عليهم لخدمة النفوذ الأميركي، ولتسهيل حركة التجارة الأميركية، وللمساعدة في وضع حاجز أمني افتراضي بين قوى الشرق الصاعدة التي تحارب السياسة الأميركية (وتحديداً الصين) وبين العالم الحرّ (أو الغرب) كما تُشير الخطة. وذكرت الاستراتيجية عدداً من الدول الخليجية، برغم أن هذه الدول تُقيم علاقات متميزة ومتوازنة مع الدول الآسيوية الكبرى، وهي تحتفظ لنفسها بهامش في سياق التجاذبات الدولية القائمة، ولم تتبنَّ سياسة محورية خالصة حتى الآن.
واللافت في أسطر الاستراتيجية التي تناولت الشرق الأوسط، اعلان التخلّي عن سياسة تغيير الأنظمة لصالح اعتماد سياسة الردع في مواجهة القوى التي قد تتمرَّد على النظام العام (من دون تحديد قواعد هذا النظام العام) أو التي تُهدِّد المصالح الأميركية، عن طريق استخدام القوة من بعيد، خصوصاً بواسطة طائرات "لوكاس" المُسيَّرة المتطورة والرخيصة الثمن، ومن دون الحاجة الى زيادة المصاريف المالية على التدخلات العسكرية البرية، ولا على القواعد العسكرية غير الضرورية. ومن الواضح أن هذه الإشارة تستهدف ايران بشكلٍ خاص، إضافة الى مجموعات أخرى أو دول قد تُهدد أمن إسرائيل في المستقبل. لكن ما تبيَّن خلال الأيام الحالية؛ أن الولايات المتحدة الأميركية تستثمر بقوة المدمرات وحاملات الطائرات، وهي تحركها في اتجاه الساحات المقصودة (حالياً نحو ايران) بينما تُقلِّص من اعتمادها على القواعد العسكرية الأرضية، ربما لأن هذه القواعد أصبحت هدفاً محتملاً للصواريخ البعيدة المدى وللمسيرات التي تمتلكها الدول المنافسة، خصوصاً ايران.
لا تلحظ الاستراتيجية الأميركية الجديدة أية مقاربة تجاه ملف التسوية السلمية، ولا لمشروع السلام، ولا تتحدث عن دولة فلسطينية، بل عن حلّ مشكلة إدارة قطاع غزَّة بالتوافق مع مشروع وقف إطلاق النار الذي فرضه الرئيس ترامب. وهذا الموضوع يُثير القلق، ذلك أنه لا يراعي الحقوق المشروعة للفلسطينيين، ولا يتوقف عند الطموحات العربية في تنفيذ مشروع التسوية الذي يرتكز على مبدأ الأرض مقابل السلام، وبالتالي فإن الموقف الأميركي لا يجامل الحلفاء الذين تحدثت عنهم الخطة، وغالبية هؤلاء اتفقت في قمة المنامة الخليجية الأخيرة على قواعد حلّ الأزمة التي تلحظ إقامة دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، مقابل تفعيل التفاهمات الابراهيمية وعملية التطبيع والسلام. وتحميل "مجلس السلام" مهام تتجاوز إدارة قطاع غزَّة؛ أثار خشية لدى كثيرين، ولم يخفِ بعض المسؤولين الأميركيين نواياهم التي تقضي بتطوير فكرة المجلس لتصل الى مقاربة جديدة قد تُعتمد بديلاً عن الأمم المتحدة وهيئاتها المتخصصة، بما فيها مجلس الأمن الدولي، وبعض الدول – ومنها فرنسا – على سبيل المثال رفضت الانضمام الى "مجلس السلام".
استراتيجية "أميركا أولاً" تهدف الى تنفيذ سياسة براغماتية رشيقة، ويبدو أنها ليست أفكاراً ترامبية خالصة، بل أعدتها أجهزة متمرِّسة وخبراء مخضرمون، وهي لا تتطلَّب أعباء مالية كبيرة، وتحقق الأهداف بأقل كلفة، من خلال ضرب الأعداء عن بعد بواسطة الطائرات الحديثة، وهو ما لا يتلاءم مع واقع دول المنطقة العربية والشرق أوسطية عموماً، لأن واشنطن شريكة فعلية في أزمات المنطقة، وأكاد أقول انها سبب رئيسي لبعضها، وهي التي تُقدم الدعم لإسرائيل، وتحميها عند الضرورة، وهذه الوضعية تُبعِد عنها الحيادية في الصراع القائم، وتحملُها مسؤولية الاختلالات الكبيرة الناجمة عن استمرار العدوان الإسرائيلي على الفلسطينيين وعلى شعوب الدول المجاورة أيضاً. ولا يمكن للاستراتيجية الأميركية أن تتجاهل هذه الوضعية، لأن مقاربة الموقف الأميركي في الشرق الأوسط ارتباطاً بتراجع أهمية الثروة النفطية بالنسبة لها، تُلزم اعتماد مقاربة سلمية جديدة تتعلَّق بالملف الفلسطيني، وبوضع حد للجنوح الإسرائيلي المُخيف، وبإحترام الإرادة العربية أفضل مما هو قائم حالياً، حيث تطلب واشنطن المساعدة من أصدقائها العرب عند الضرورة، ومن دون أن تستجيب هي لمصالحهم، ولطلباتهم، بل تلقي عليهم أعباء، وتحملهم أثقالاً يصعب عليهم رفعها، لا سيما طلب تجاهل القضية الفلسطينية، وهي قضية العرب أجمعين، ولا يمكن لأصدقائها القفز فوقها.
ترغب الولايات المتحدة الأميركية بالإبقاء على نفوذها الاستراتيجي في المنطقة، بما لهذا النفوذ من تأثير في تعزيز مكانتها الدولية، ولكن ذلك لا يتماشى مع الرؤى الجديدة، بحيث أنها ستغيِّر قواعد اللعبة، وتتدخل عسكرياً عن بُعد، مما قد يجرّ ويلات على أراضي الدول العربية، وستُعيد النظر بتقديماتها ومنحها العسكرية، بينما ركائز سياستها تجاه إسرائيل ستبقى ثابتة من حيث قيمة الدعم الكبيرة لها، وتزويدها بأحدث ابتكارات السلاح الأميركي المتطور، بما يضمن لها تفوقاً على دول الجوار.
يحتاج الوضع الى حوار صريح بين العرب وصنَّاع القرار في الدولة الأعظم.
ماذا يُهيئ العرب للتعامل مع الاستراتيجية الأميركية الجديدة؟
برغم الضياع الاستراتيجي وحالة الوهن التي يعيشها العالم العربي؛ لكن بعضاً من عوامل القوة متوافر، والمجموعة العربية فاعلة ومؤثرة على المستوى الدولي، وهي استطاعت الوصول الى تحشيد ما يزيد عن 167 دولة عضوة في الأمم المتحدة الى جانب الحق الفلسطيني، كما جمعت 56 دولة إسلامية في قمتين اعتراضيتين على العدوان الإسرائيلي، نظمتهما المملكة العربية السعودية وقطر على التوالي خلال السنتين المُنصرمتين. وهناك إمكانيات مالية ولوجستية كبيرة جداً لدى الدول العربية. ولا ضرورة لإعادة تكرير الإشارة الى الغنى الموجود في الوطن العربي فيما يتعلق بتوافر القدرة البشرية المتميزة نوعياً، والكبيرة عددياً.
لكن مقارنة القوة العربية قياساً بالعملاق الأميركي، مقاربة غير موضوعية، وما يتعرِّض له العرب جوهرياً، أو في العمق؛ هو بمثابة عدوان أميركي مباشر في بعض الأماكن وغير مباشر في أماكن أخرى، ويُلحق أضراراً بالجسم العربي، ويهمِّش دوره عالمياً، بما في ذلك دور الدول الصديقة لأميركا (فمن الحُبِ ما قتل كما يقول المثل العامي) حيث يرفع الرئيس دونالد ترامب شعارات رائعة في وصفه لأصدقائه العرب، من دون أن يردع العدوان المُتمادي عليهم من قبل ربيبته اسرائيل، وهو يقف على الحياد بينهم وبين أخصامهم كحد أقصى.
لكن ذلك لا يعني بأية حال؛ أن الوضع العربي مرضٍ، فلا بد من تجميع عناصر القوة على شاكلة أفضل، كما لا بد من الوصول الى تأطير عناصر قوة عسكرية ومدنية أكثر تأثيراً، والتضامن العربي الذي تحرَّر من عقدة الانسلاخ الشامية (نسبة لدول بلاد الشام وما بين النهرين سوريا والعراق ولبنان) يحتاج الى تكثيف الجهود لتسوية النزاعات في السودان واليمن والصومال وليبيا، والضغط بحيادية لحلّ الخلاف القائم بين جمهورية الجزائر والمملكة المغربية. والتضامن العربي من أهم العناصر التي تحمي الأمن القومي العربي.
والاستراتيجية الأميركية الجديدة تجاه الشرق الأوسط؛ لا يمكن لها أن تتجاهل التأثير العربي، وهي مُلزمة بالتعامل مع الوقائع القائمة، وعندما تشعر أن انحيازها لإسرائيل سيكلفها خسائر سياسية ومالية واستراتيجية كبيرة؛ ستُعيد النظر في أولوياتها، وتجربة تمسُّك المملكة العربية السعودية بموقفها الرافض لأي تطبيع مع العدو من دون الاعتراف بالدولة الفلسطينية؛ أعطت ثمارها حتى الآن. والفيصل في هذا السياق صدقية واشنطن بمنع ضمّ الضفة الغربية وتدمير السلطة الفلسطينية، لكن ما يجري على الأرض من استباحة إسرائيلية مُتجددة، لا يوحي بإلتزام أميركي صارم.
وما بين سطور الخطة الأميركية الجديدة، يبدو بعض الاغفال للتأثير العربي، مقابل التركيز على قوى اقليمية أخرى (إسرائيل وتركيا وايران) وهذه المؤشرات غير مقبولة على الاطلاق، ولا بد أن يعرف الأميركيون، أن أصدقاءهم قبل مناهضيهم من العرب؛ لا يقبلون بأي تهميش للمكانة العربية، ولا أي مساومة على الحق العربي. واحترام خصوصية الدول الاقليمية الكبرى المحيطة؛ لا يعني بأية حال تهميشاً للتأثير العربي، وتجاهلاً للمصالح العربية.
ان اسناد وظيفة تطويق أعداء أميركا للمنطقة العربية وقواها الحية؛ مرفوض رفضاً مطلقاً، والدول العربية ليست حاجزاً يفصل الشرق عن الغرب اطلاقاً، بل هي جسر تواصل بينهما. وواشنطن تُخطئ إذا كانت ستستخدم المنطقة لهذه الغاية، برغم حرص الغالبية العربية على إقامة أفضل العلاقات معها، وليست هناك أي مصلحة في العداء بين العرب والولايات المتحدة الأميركية. بالمقابل؛ فإن العالم العربي ليس خط دفاع عن المصالح الأميركية في وجه القوى الدولية الأخرى، لا سيما منها الصين. والعلاقات المتوازنة للعرب بين الشرق والغرب، فيها مصلحة عربية واضحة، وبواقع الحال فإن الشرق وقف مع قضايا العرب العادلة مواقف جريئة ومتقدمة أكثر من الغرب.
لا نعرف مآلات الصراع بين أميركا وايران حتى الآن، لكن رؤيتنا تؤكد أن ما يجري ليس في مصلحة العرب على الاطلاق. فلا الصفقة مع ايران التي قد تعيدنا الى تجارب سابقة (كتجربة شرطي الخليج) مقبولة، ولا تعويم نظام التعامل بخشونة مع العرب منذ سنوات عديدة، وتشرذم المكونات المجتمعية في بعض البلدان، وهو يسيطر على مساحات شاسعة من الأراضي العربية في الأحواز من دون أن يعطي للأحوازيين أية حقوق. لكن المفاجأة كانت في الهدوء غير المنتظر الذي تتعاطى به موسكو مع ما يجري. فهي تحاول أن تكون شريكاً في أي تسوية، من دون أن تظهر عليها أي حماسة للمشاركة في الدفاع عن صديقتها الَّلدودة ايران. بينما الصين المُستهدفة حكماً بالتطورات الحاصلة، وبمآلات الاستراتيجية الأميركية الجديدة؛ تبدو صميمة الأذن كميمة الفمِ، واعتراضاتها الظاهرة على الإنفلاش الأميركي ليست بالمستوى المنتظر، فهل تخفي ما لا يمكن أن يكون في الحسبان، أي توليف صفقة كبيرة لتقاسم النفوذ؟
الدول العربية في طليعة القوى المستهدفة من الرؤى الأميركية الجديدة، لناحية سقوط ورقة التين عن قوة سيادة الدول، ومن يظنّ أن هذه السيادة حتمية؛ لا نعتقد أنه على صواب، العالم بكل تأكيد يعود الى ما قبل العام 1945، كي لا نقول الى ما قبل العام 1648. والفائدة الموضعية، أو الآنية من البراغماتية الأميركية التي يحصل عليها بعض العرب، قد لا تستمرّ طويلاً، في ظل وجود أخطبوط صهيوني يعمل على عوكّرة أي هدوء في المياه الراكدة في المسافة التي تربط، أو تفصل، سواحل العم سام عن شواطئ البحر الذي يتوسط العالم. أرى أن الفقرة التي لم تُكتب في الاستراتيجية الأميركية الجديدة، ولكنها
ستنفَّذ، هي إعادة تقسيم مناطق العالم الى مربعات مختلفة، لكل منها دورٌ ومهمة، لكن وظيفة الاستثمار الفائق الفائدة ومهمة الردع العام، ليست من مسؤولية الدول الصغيرة.
*محاضرة القيت في منتدى المعهد العالمي للتجديد العربي 16/2/2026
إعلان
يتم عرض هذا الإعلان بواسطة إعلانات Google، ولا يتحكم موقعنا في الإعلانات التي تظهر لكل مستخدم.






