لو يخفّف بعضهم "النق"!

لعلها من الحالات النادرة التي يجتمع فيها ما اصطُلح على تسميته "المجتمع الدولي" (وثمة ملاحظات عديدة على التسمية بحد ذاتها) لمساعدة دولة ما، فنجد أهلها يتلكأون ويراوغون ويهدرون الفرص المتتالية ويرقصون على حافة الهاوية من دون أي إدراك جدي ما إذا كانت هذه السلوكيات السياسية والإقتصادية كفيلة بإحداث أي شكل من أشكال التغيير المطلوب على المستوى الداخلي.

إذا كان وزير خارجية العهد يصنّف اللبنانيين بين من "ينق" ويشتم وبين من يعطي الأمل، فالأغلب أنه ينتمي إلى الفئة الأولى ولو أنه قصد قذف التهمة على الآخرين. فكيف يمكن لفريق يمسك برئاسة الجمهورية وكتلة سياسية كبيرة وتمثيل وزاري واسع ومواقع في السلطة تبدأ في القضاء ولا تنتهي في الإدارة، أن يتهم الآخرين بالتعطيل؟

أساساً، من هو الفريق الذي مارس سياسة التعطيل المؤسساتي تارةً تحت عنوان الميثاقية وطوراً تحت ذريعة تعيين مسؤول عسكري أو إداري هنا أو هناك، وصولاً إلى تعطيل 43 جلسة نيابية لانتخاب رئيس الجمهورية! هل هذا السلوك هو الذي يعطي الأمل للبنانيين؟

الأكيد أن الملف الإقتصادي – الإجتماعي – المعيشي لا يحتمل رفاهية تصنيف اللبنانيين وتعريبهم بل المطلوب المباشرة الفورية بالإصلاحات الجذرية التي ترفع شعاراتها كل يوم في الإعلام ويُنكّل بها كل يوم في الممارسة!

كيف يمكن، على سبيل المثال، تأخير تشكيل الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء إلى ما بعد تعديل القانون الذي نصّ على تشكيلها منذ سنوات وإلى ما بعد إقرار معظم التلزيمات الكبرى في القطاع؟ ما الجدوى الفعلية من تأليفها بعد إنجاز كل هذه المشاريع الضخمة؟ أليس ذلك خوفاً من فقدان "التسلط" الذي يمارس على القطاع في غياب الهيئة المذكورة؟ وما الذي يبرر مثلاً، رغم الشهوات والجوع لإنجاز التعيينات الإدارية في كل القطاعات، تأخير تشكيل مجلس إدارة مؤسسة كهرباء لبنان منذ سنوات؟ ألا يصب ذلك أيضاً في إطار تكريس "هيمنة" ما على القطاع؟

الأمر نفسه ينطبق على سائر الملفات! هل حدث أي تغيير ملموس في حياة المواطن اللبناني منذ سنوات حتى اليوم؟ هل استعادت الدولة شيئاً من هيبتها المفقودة على مختلف المستويات؟ هل شعر اللبنانيون أن ثمة من سيعمل على ردم الهوة السحيقة بين المواطن ودولته؟ والأهم من كل ذلك، هل من يعيش في برج عاجي ولا يدرك حقيقة الواقع المأسوي القائم على الأرض؟ ماذا عن إقفال المؤسسات وتدهور أوضاع العمال والموظفين؟

من أسوأ "المعالجات"، إذا صح التعبير، مقاربة الملفات الإقتصادية بالخلفيات السياسية، وتوظيف الحلول لخدمة المصالح الفئوية في الوقت الذي يمكن توليد الحلول وفق المعطيات العلمية والتقنية وليس الإعتبارات المصلحية. ولكن قرارات كهذه تتطلب تفاهماً وطنياً، والأهم أنها تتطلب رجال دولة يملكون من النزاهة والشفافية ما يجعل مقترحاتهم للحلول ذات مصداقية... بالشكل والمضمون!