فخاخ النخب: حيث الفضيحة تحدّد السياسة
10 شباط 2026
11:32
Article Content
في كتابه الشهير "سيكولوجية الجماهير"، يقول غوستاف لوبون، عالم الأنثروبولوجيا وعلم النفس والإجتماع الفرنسي: "يخبرنا التاريخ أنه في الوقت الذي تضيع فيه القوى الأخلاقية التي تشكل أساس حضارة ما، فإن هذه الحضارة تفقد قوتها؛ فيتم الانحلال النهائي لها من خلال هذه الجماهير اللاواعية والوحشية التي توصف بحق بالبربرية". من هذا المنطلق، يبدو أن العالم يسلك هذا المسار ويعيد تكرار الأحداث نفسها قبيل كل تغيير جذري يطرأ على الأنظمة الكبرى.
ما تكشفه قضية جيفري إبستين اليوم لا يقع فقط ضمن إطار الفضائح الأخلاقية، بل يتعداها ليُظهر نموذجاً لتوظيف "الاستخبارات الجنسية" كواحدة من أهم أدوات الضغط السياسي؛ وهو أسلوب لطالما برعت فيه القوى المتحكمة في مسارات الأحداث لصالح أجندات سياسية كبرى.
وفي حادثة تاريخية مماثلة، يظهر بوضوح هذا المخطط الذي بات مكشوفاً بعدما كان الحديث عنه يُصنف كـ "خرافة" أو "نظرية مؤامرة". فعقب اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914، شهدت لندن تأسيس ما عُرف بـ "النادي الزجاجي"؛ وهو مرفق سري قُدّم كمتنفس لترفيه ضباط الجيش بمبادرة من "مموّلين مجهولين"، لكنه كان في الواقع مركزاً لمنظمة تجسس وابتزاز تعتمد على توثيق فضائح المسؤولين ورجال الصناعة في سجل سري سُمّي حينها بـ "الكتاب الأسود".
انفجرت أزمة هذا المكان في نوفمبر (تشرين الثاني) 1916 عقب فضيحة أخلاقية كبرى لمسؤول سياسي اكتشف وجود زوجته داخل النادي، وبالتزامن مع شكاوى قدمها ثلاثة ضباط حول استغلال النادي لتسريب معلومات عسكرية للعدو وابتزاز الأعضاء. أدى ذلك إلى زلزال سياسي انتهى باستقالة حكومة هربرت إسكويت في ديسمبر (كانون الأول) 1916؛ وهو الرجل الذي عُرف بمناهضته للمشروع الصهيوني ورفضه لطروحاته. وقد ألقى الإعلام آنذاك اللوم عليه بضجيج مُضخم، بحجة تعيينه لـ "غير أكفاء" في مناصب حكومية حساسة، لتتشكل بعدها حكومة ائتلافية جديدة برئاسة ديفيد لويد جورج، المحامي السابق للحركة الصهيونية التي موّلتها عائلة روت شيلد، وبعضوية ونستون تشرشل المؤازر للصهيونية السياسية، وآرثر بلفور الذي ارتبط الوعد المشؤوم باسمه. وفور تشكيلها، أعلنت الحكومة البريطانية رسمياً عزمها تبني المشروع الصهيوني وجعل أرض فلسطين وطناً قومياً لليهود.
إن المقاربة بين تلك الحادثة وقضية جيفري إبستين تكشف أن "صناعة الفضيحة" ليست مجرد حوادث عارضة، بل هي أداة جيوسياسية فعالة. فالأنباء المتواترة عن ارتباط إبستين بجهات استخباراتية مثل الموساد، وتوقيت تفتيت إمبراطوريته، يشير إلى نمط مكرر: استخدام "المتعاون" حتى استنفاد غرضه، ثم تصفيته ليتحول هو وسجلاته إلى أداة لابتزاز من تبقى من الأسماء في قائمته، ما كُشف منها وما لم يُكشف بعد.
لا تقتصر استراتيجية 'الابتزاز والتصفية' على الفضائح الأخلاقية فحسب، بطبيعة الحال، بل تمتد لتشمل "العملاء الماليين" أيضاً، ولعل في قصة اليهودي ياكوف سفيردلوف الذي اعتبر أول رئيس (فخري) للإتحاد السوفيتي - خير مثال على ذلك؛ فبعد سيطرته المطلقة على الاقتصاد الروسي وكونه خبيراً مالياً تدرّب خصيصاً ليكون عميلاً للمموّلين، تمت تصفيته بمجرد أن أتمّ مهمته وبات "يعرف الكثير" عن خفايا تمويل مخططات الحركة الصهيونية، ليتحول من شريك إلى عبء وجب التخلص منه.
هكذا يعيد التاريخ نفسه؛ انتهى اليوم دور جيفري إبستين كـ "مخزن أسرار"، تماماً كما انتهى دور غيره من الأدوات التي عرفت أكثر مما ينبغي، أو التي "أنهت خدمتها" كما يقال. يرحل المتعاونون وتظل ملفاتهم سلاحاً بيد مشغليهم. إن فضيحة إبستين ليست إلا فصلاً جديداً في كتاب قديم، يؤكد أن: من يملك سر القائد، يملك قراره.. ومن يملك قرار القائد، يملك مصير الأوطان.
والعبرة لمن يعتبر!
إعلان
يتم عرض هذا الإعلان بواسطة إعلانات Google، ولا يتحكم موقعنا في الإعلانات التي تظهر لكل مستخدم.






