إصلاحات على الورق وفقر في الواقع: قراءة في علاقة لبنان مع "صندوق النقد"
26 كانون الثاني 2026
12:07
آخر تحديث:26 كانون الثاني 202614:10
Article Content
شكلت علاقة لبنان مع صندوق النقد الدولي مسارا متقلبا يعكس بنية الاقتصاد السياسي اللبناني، وطبيعة نظامه المالي الريعي، وحدود قدرته على الاصلاح. منذما قبل اندلاع الازمة المالية والنقدية في عام 2019، كان لبنان حاضراَ في مقاربات الصندوق بوصفه اقتصاداَ عالي المخاطر، يعاني اختلالات بنيوية مزمنة، لكنه في الوقت نفسه كان يتجنب الخضوع لبرامج تصحيحية صارمة. ومع تفجر الازمة، انتقلت المشورة التقنية الى محاولات تفاوض شاقة على برنامج تمويلي مشروط، لم يكتب له حتى اليوم ان يتحول الى اتفاق نافذ.
سأحاول في هذه السطور ان ابين تتطور العلاقة بين لبنان وصندوق النقد الدولي منذ ما قبل الازمة، مروراَ بانفجارها وتداعياتها، وصولاَ الى الوضع الراهن. كذلك سأتناول التحول الذي طرأ على دور وسياسات صندوق النقد الدولي نفسه، كونه أداة ارتبطت تاريخياَ بادارة مصالح النظام الرأسمالي العالميوفرض سياسات تقشفية موحدة، الى مؤسسة تحاول – ولو بحدود – التكيف مع خصوصات الدول النامية والهشة، عبر ادماج البعد الاجتماعي، والحماية الاجتماعية، ومفاهيم العدالة الاقتصادية ضمن برامجها الحديثة.
أولاَ: علاقة حذرة قبل الازمة 1990 – 2019
منذ انتهاء الحرب الاهلية اللبنانية عام 1990، لم يخضع لبنان لأي برنامج تميلي مباشر مع صندوق النقد الدولي، بخلاف العديد من الدول النامية. اقتصر التعاون على زيارات مشاورات الفصل الرابع والتي يقدمها الصندوق لكافة المساهمين، تقارير دورية حول الوضع المالي والنقدي، كذلك مساعدات تقنية محدودة في مجالات الاحصاء والمالية العامة. كان هذا الواقع انعكاساَ لاختيار سياسي – اقتصادي يقوم على تمويل العجز عبر الاستدانة الداخلية والخارجية، تثبيت سعر الصرف لليرة اللبنانية مقابل الدولار، خذب الودائع عبر اسعار الفائدة المرفعة، والاهم من ذلك تجنب الاصلاحات البنيوية المؤلمة اجتماعياَ وسياسياَ.
رغم غياب برنامج رسمي، لم يتوقف صندوق النقد عن اطلاق التحذيرات ولا سيما بعد عام 2011، وفي اتلعام 2014 كان للصندوق تحذير شديد من خلال تقرير الفصل الرابع، (لكن سرعان ما سحب هذا التقرير من التداول). ركزت تقارير الصندوق على تفاقم الدين العام واتساع عجز الميزان التجاري والحساب الجاري (العجز التوأم)، هشاشة نموذج تثبيت سعر الصرف، ضعف الحوكمة وتفشي الفساد، وتضخم القطاع المصرفي مقارنة بحجم الاقتصاد الحقيقي. غير أن هذه التحذيرات بقيت في اطار التوصيات غير الملزمة، في ظل غياب الارادة السياسية للاصلاح، واستمرار تدفق الرساميل.
ثانياَ: انفجار الازمة والتحول نحو صندوق النقد 2019 – 2020
في خريف 2019، انهار النموذج الاقتصادي اللبناني دفعة واحدة (سرديات عديدة لهذا الانهيار لن اتطرق اليها في معرض هذه المقالة)، توقف تدفق الدولار وفرضت قيود غير رسمية على الودائع، تعثرت الدولة عن سداد ديونها بالعملات الاجنبية في آذار 2020. هذا الانهيار الذي صنفته المؤسسات المالية الدولية واحد من اكبر ثلاث ازمات دولية في القرن الحالي، مما وضع لبنان امام خيار شبه وحيد بالتوجه الى صندوق النقد الدولي طلباَ للدعم، فتقدمت الحكومة اللبنانية في ايار 2020 بطلب رسمي لبرنامج تمويلي مع صندوق النقد الدولي، وقدمت خطة تعافي مالي قدرت الخسائر بنحو 69 مليار دولار. الا أن المفاوضات تعثرت سريعاَ بسبب تضارب الارقام بين الحكومة ومصرف لبنان والمصارف (السبب المعلن). رفض القطاع المصرفي تحميله جزءاَ من الخسائر، كذلك غياب قانون واضح لإعادة هيكلة المصارف، الاهم من ذلك تعثر الاتفاق مع الصندوق بسبب هشاشة التوافق السياسي داخل السلطة، وهنا برز دور صندوق النقدليس فقط كممول محتمل، بل كمرآة كشفت عمق الانقسام الداخلي اللبناني.
ثالثاَ: اتفاق على مستوى الموظفين لكن دون تنفيذ 2022
في نيسان 2022، اعلن عن التوصل الى اتفاق على مستوى الموظفين (staff level agreement) بين صندوق النقد ولبنان، بقيمة تقارب 3 مليار ونصف دولار اميركي، مشروط بتنفيذ اصلاحات اساسية ابرزها: اقرار قانون الكابيتول كونترول، إعادة هيكلة القطاع المصرفي، توحيد سعر الصرف واصلاح المالية العامة، كذلك تعزيز استقلالية القضاء ومكافحة الفساد.
رغم أهمية الاتفاق سياسياَ ومعنوياَ، لم يتحول الى برنامج نافذ بسبب التأخير المعتمد في اقرار القوانين المطلوبة، نفريغ مشاريع القوانين من مضمونها الاصلاحي واستمرار السياسات النقدية الترقيعية (تعاميم مصرف لبنان)، ما أدى الى تحميل المودعين القسم الأكبر من الخسائر بشكل غير مباشر. وبذلك، بقي الاتفاق اطاراَ نظرياَ، اكثر منه مساراَ فعلياَ للتعافي.
رابعاَ: العلاقة في المرحلة الراهنة 2023 – 2025
حتى تاريخه لا يزال لبنان خارج اي برنامج تمويلي فعلي مع صندوق النقد الدولي. وتتمثل ملامح العلاقة الحالية في استمرار التواصل التقني دون التزام مالي، وربط اي دعم دولي (مؤسسات دولية ودول) بتنفيذ اصلاحات مسبقة، وهذا يعود الى تراجع الثقة الدولية بقدرة الدولة اللبنانية على الالتزام، بالرغم من العمل الدؤوب من قبل فخامة الرئيس جوزاف عون منذ انتخابه في مطلع العام 2025، والحكومة الحالية برئاسة القاضي نواف سلام لاستعادة الثقتين الدولية والمحلية، بالدولة اللبنانية ومؤسساتها وذلك من خلال وضع رؤية اقتصادية شاملة بعد ان اقرت مجموعة من القوانين اهمها رفع السرية المصرفية وقانون اعادة هيكلة القطاع المصرفي وقانون استقلالية القضاء.
خامساَ: الأثر الاجتماعي لشروط صندوق النقد على الفقر والطبقة الوسطى في لبنان
أدت الأزمة المالية في لبنان الى انفجار اجتماعي غير مسبوق في معدلات الفقر، حيث تآكلت الاجور، وفقدت المدخرات، وارتفعت كلفة المعيشة بشكل حاد. وفي هذا السياق، تطرح شروط صندوق النقد، ولا سيما تلك المتعلقة برفع الدعم، وتحرير سعر الصرف، وضبط الانفاق العام، بوصفها اجراءات ذات أثر اجتماعي قاس في المدى القصير.
غير أن الاشكالية الاساسية لا تكمن فقط في طبيعة هذه الشروط، بل في توقيتها وسياق تطبيقها. فغياب شبكات امان اجتماعي فعالة، وضعف قدرة الدولة على التعويض والحماية الاجتماعية، جعلا الفئات الاكثر هشاشة تتحمل العبء الأكبر، في حين غابت سياسات اعادة التوزيع العادلة.
شكلت الطبقة الوسطى تاريخياَ العمود الفقري للاستقرارالاجتماعي والسياسي في لبنان. الا أن الاومة، مقرونة بالاصلاحات غير المتكاملة، أدت الى تراجع القدرة الشرائية للموظفين وأصحاب المهن الحرة، وانزلقت شرائح واسعة من الطبقة الوسطى نحو الفقر، ودفعت الكفاءات الى الهجرة. في هذا الاطار، يخشى أن يؤدي تطبيق شروط اصلاحية دون مقاربة اجتماعية شاملة الى تعميق اللامساواة، وتحويل الاصلاح المالي الى عامل تفجير اجتماعيبدل أن يكون مدخلاَ للتعافي.
رغم أن صندوق النقد بدأ في السنوات الأخيرة بادراج مفاهيم مثل "الحماية الاجتماعية" و "الانفاق الموجه للفقراء" ضمن برامجه، الا أن نجاح هذه المقاربات يبقى مرهوناَ بقدرة الدولة اللبنانية على تصميم سياسات دعم موجهة وشفافة، وحماية صغار المودعين كذلك، توزبع الخسائر بشكل عادل و ربط الاصلاح المالي باصلاح اداري وقضائي و تفعيل التدقيق الجنائي، للوصول الى معرفة كيف ومن اهدر المليارات. وبدون ذلك، ستبقى الشروط التقنية للصندوق منفصلة عن الواقع الاجتماعي، ومهددة بتقويض ما تبقى من تماسك اجتماعي.
ينظر إلى صندوق النقد في الحالة اللبنانية بوصفه، ضرورة لاعادة فتح قنوات التمويل الدولي، ومرجعية تقنية لاعادة الانتظام المالي. لكن في المقابل، تطرح تساؤلات مشروعة حول الاثر الاجتماعي لشروط صندوق النقد، ومخاطر التقشف في اقتصاد منهار، في ظل غياب البعد التنموي طويل الآجل في بعض المقاربات. مع ذلك، لا يمكن اختزال الازمة أو فشل الاتفاق مع الصندوق بعوامل خارجية فقط. فجوهر المشكلة يبقى، تداخل المصالح بين السلطة والمصارف وغياب المحاسبة والشفافية. بدون معالجة هذه العوامل، لن يكون أي برنامج مع صندوق النقد كفيلاَ باخراج لبنان من أزمته.
تعكس علاقة لبنان مع صندوق النقد الدولي مسار دولة أجلت الاصلاح حتى لحظة الانفجار، ثم عجزت عن الالتزام به بعد الانهيار. فمنذ ما قبل الازمة، كانت التحذيرات واضحة، لكن التجاهل كان سيد الموقف. وبعد الازمة، أصبح الصندوق شاهداَ على عجز الدولة عن اتخاذ قرارات سيادية مؤلمة لكنها ضرورية.
ان مستقبل هذه العلاقة، وبالتالي مستقبل التعافي الاقتصادي في لبنان، يبقى مرهوناَ بقدرة اللبنانيين، سلطةَ ومجتمعاَ، على الانتقال من منطق إدارة الانهيار الى منطق بناء الدولة، حيث يصبح صندوق النقد أداة مساعدة لا وصياَ، وشريكاَ في الحل لا شماعة للفشل.
*عضو هيئة مكتب المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، استاذ الاقتصاد في الجامعة اللبنانية.
إعلان
يتم عرض هذا الإعلان بواسطة إعلانات Google، ولا يتحكم موقعنا في الإعلانات التي تظهر لكل مستخدم.






