أصلحوا أنفسكم وعودوا إلينا!

23 أيلول 2019 15:50:00 - آخر تحديث: 07 تشرين الثاني 2019 21:36:16

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يرغب في مساعدة لبنان لتخطي أزمته المالية الاقتصادية الاجتماعية الخطيرة. عقد "سيدر" وجمع ممثلي دول مانحة، ومؤسسات دولية مالية، وشركات كبرى. كان نقاش مستفيض حول أسباب الأزمة والحلول التي ينبغي اعتمادها للخروج منها. المسألة بسيطة: إصلاحات وإصلاحات وإصلاحات... وتخفيض عجز يبدأ من الكهرباء!! وعد المسؤولون اللبنانيـون بالالتزام. صوتوا على الموازنة والمشاريع وقالوا كلاماً يملأ مجلدات. ومنذ ذلك الوقت لم يفعلوا شيئاً لا على صعيد الاصلاحات ولا على مستوى الكهرباء، بل على العكس من ذلك. كل ما فعلوه يناقض الوعود والالتزامات ويثير ويستفز الدول والمؤسسات. جاء "دوكين" موفد فرنسا المشرف على  "سيدر". وجّه إهانات للمسؤولين اللبنانيين وقال كلاماً قاسياً. لكنه أكد: "المال موجود. النية قائمة لمساعدتكم. لكن ذلك مرتبط بإقدامكم وتنفيذ التزاماتكم"!! ذهب رئيس الحكومة الى فرنسا. التقاه الرئيس ماكرون، الذي جدّد التزامه بالوقوف الى جانب لبنان، ومساعدته. لكن الخلاصة لكلامه مطابقة تماماً لما قاله "دوكين" ولكن بلغة رئاسية!! نحن معكم إذا كنتم مع أنفسكم. أصلحوا أوضاعكم. أصلحوا أنفسكم. لا مساعدات بدون تنفيذ الالتزامات والإصلاحات . تكرّرت الوعود. سوف نفعل. سوف نقدم. سوف. سوف. سوف. والتسويف عنوان الالتزامات الداخلية. 
السعودية أعلنت رغبتها في مساعدة لبنان. طرحت أسئلة كثيرة حول التوقيت بعد إنكفاء طويل. وبغض النظر عن ذلك، مجرد الإعلان أدى الى ارتفاع السندات بالدولار. مؤشر إيحابي. أنعش آمال اللبنانيين. لكن ليس ثمة أحد جمعية خيرية وخاصة اليوم. 
 في فرنسا، الأوضاع صعبة. الوضع السياسي دقيق. إنفاق كل "أورو" يخضع لرقابة مشددة حكومياً ومما يسمى "المجتمع المدني". وبالتالي، لا يمكن الإقدام على أي خطوة دون ضمانات واضحة وأكيدة بأن المال سينفق في مكانه. والسعودية تعيش أوضاعاً مالية اقتصادية أمنية مضطربة لأسباب كثيرة. فإذا أقدمت فإن لها حساباتها ولن ترمي مالها هكذا. وفي كل الحالات لو جاءت مساعدات الدنيا كلها الى لبنان، فإنها لن تحل الأزمة إذا استمر المسؤولون على ما هم عليه وإذا كان الثابت الأساس اتفاق المصالح، وتقاسم القطاعات والمغانم وتفشي الفساد والسرقة والتهريب وسوء الإدارة وسوء التقدير وسوء التدبير. كأنك ترمي المياه في سلة مثقوبة!!
 لا شيء يوحي بأن ثمة جدية. في الكهرباء "شهية على البواخر مفتوحة". وشهوة مال لا تحدّ!! لا مجلس إدارة. لا هيئة ناظمة. وفريق رئيس الحكومة اعتمد نظرية "كهرباء بلا هيئة ناظمة" لأن الفريق المهيمن لا يريد الهيئة الناظمة، أي لا يريد تطبيق القانون، والنتيجة: لا كهرباء. ولا هيئة ناظمة.  اتفق على تخصيص مبلغ 1500 مليار ليرة للكهرباء في الموازنة لتخفيض العجز. عادوا للمطالبة بمبلغ بين 2000 و2500 مليار ليرة!! إضافة الى عدم إرساء المناقصات على الشركات التي فازت فيها للبدء بتشغيل المعامل. والنتيجة ذاتها في القطاعات الأخرى. لم يلمس اللبنانيون أي قرار جدي حتى الآن على طريق الإصلاح أو تنفيذ الوعود والالتزامات والخطوات الضرورية لإطلاق سيدر وعامل الوقت يداهم!!
رؤساء دول يريدون مساعدة لبنان. عملياً. هذه هي مواقفهم. وخطواتهم. ومشاريعهم. واستعداداتهم. لبنان وافق بالإجماع تقريباً على خطوات معينة تنسجم مع الشروط المطلوبة لترجمة المساعدة الى واقع. لكن بعض المسؤولين يخاطب اللبنانيين من الخارج فيصنّفهم فريقين: فريق "ينق" و"ينعي" و"يسب" وفريق يعطي أملاً ويدعو لبنانيي الخارج الى العودة. فلا يجوز أن يبقى اللبنانيون خارج لبنان وأن يقيم على أرضه الفلسطينيون والسوريون!!
العالم "ينقّ". رؤساء الدول "ينقّون" منكم. يعرفون خطاياكم وأسراركم وأعمالكم وشهواتكم. أتلومون اللبنانيين على "النقّ"؟ أشكروهم لأنهم اكتفوا بذلك حتى الآن!! أتتهمونهم "بالنعي"؟ ماذا يصح القول في الفلتان "وغياب" المساءلة والمراقبة والمحاسبة" والتدخل في "القضاء" وفوضى عمل الأجهزة الأمنية عندما تكون القضايا في إطار الحسابات الضيقة والمصالح والنكايات، تفكك الدولة، ومؤسساتها، وفوضى الدولار والليرة. أليس هذا "نعياً" للدولة الموجودة والموعودة؟ وعندما قلتم أنتم أن لبنـــان "مفلس" هل كان هذا غزلاً بلبنان وأملاً تعطونه للبنانيين أم "نعياً"؟؟ أما المسألة العنصرية تجاه السوريين والفلسطينيين فكفى تسعيراً لها. اللبنانيون لم يهاجروا لأن هؤلاء موجودون على أرضنا. هاجروا بسبب السياسات التي اعتمدت بعد الحرب ثم غرق المتحكمين الجدد فيها أيضاً!! 
هذه هي الحقيقة.
عندما يقول قادة دول كبرى وأصحاب شركات ومؤسسات أصلحوا أنفسكم وعودوا إلينا المال جاهز لمساعدتكم. ماذا يعني ذلك؟ تشريفاً للبنان. أم إدانة لمسؤوليه شركاء "اتفاقات" المصالح والمغانم؟