الأزمة الدولارية

د. وليد أبو خير |

تتعاقب الأزمات الإقتصادية الواحدة تلو الأخرى على النظام الإقتصادي اللبناني. ففي ظل الإلتزام المالي الحاد المتمثّل بالدَين العام والذي تجاوز عتبة 150 بالماية من الناتج المحلي الإجمالي، كما ووسط حالة الركود الإقتصادي، تطل أزمة الدولار لتزيد من عوامل الضغط على الحال الإقتصادي ضغطًا ماليًا مضافًا.
فالإرتفاع في مستوى الدَين العام اللبناني أسفر عن تخفيض وكالات التصنيف الإئتماني العالمية من تصنيفها للإئتمان السيادي للبنان إلى درجة CCC وهي الدرجة التي تشير إلى إحتمالية كبيرة لعدم قدرته على سداد إلتزاماته الخارجية.
وإذا عدنا إلى قراءة في النظام الإقتصادي المتّبع في لبنان، نقف على إقتصاد تابعٍ لمنظومة الرأسمالية العالمية والتي جعلت منه إقتصادًا ريعيًا بإمتياز حيث يفتقر إلى التنوّع من ناحية، وإلى الحدّ الأدنى من المعالجة الجذرية والتي تتمثّل في تطوير أساليب الإنتاج مما تجعل منه إقتصادًا منتجًا يسهم في تحقّق دورات التنمية الإقتصادية والإجتماعية على السواء، فيخلق بالتالي فرص عملٍ عديدة تبعد القوى العاملة فيه عن مخاطر البطالة والهجرة القسرية من ناحية أخرى. فالمنظومة الرأسمالية وبما تتميّز به من كونها مولّدة للأزمات المستمرة، تضع الساحة اللبنانية في مرمى تأثيرات الأزمات الإقليمية المحيطة وحتى الدولية ومنها الحروب التي تلجأ إليها هذه المنظومة حينما تستشعر بالإنكماش الإقتصادي وإشتداد الخناق عليها، فتسعى بطرائقها العبثية إلى حلّ أزماتها عبر إدارتها للحروب المفبركة.
فالحال الذي يشهده لبنان منذ عقود من إنعدام وحجب الإقتصاد الإنتاجي سواء الزراعي أم الصناعي وغيرهما من القطاعات المنتجة، والإبقاء على الإقتصاد التجاري الإستهلاكي والذي يمسك بأطرافه الوسطاء والسماسرة، هذا إلى جانب غياب الخطط الإقتصادية المستقبلية والإستعاضة عنها وفي سبيل تنمية موارد الخزينة العامة من الضرائب والتي بدورها تفتقر إلى الرشادة بحيث تطال في جزئها الأكبر الشريحة الكبرى من الشعب اللبناني دون سواهم من المحميات، بحيث يضحي الشكّ يقينًا من عدم قدرة الإدارة اللبنانية على إجراء إصلاحات إقتصادية تجانب معها جذب مؤتمر "سيدر" ومدى إمكانية تحقّقه. فالإصلاحات تبدأ في تفكيك قاعدة التوظيفات العشوائية والسياسية والمذهبية، كما القضاء على أساليب عمليات التهريب الجمركي أو على الأقل الحدّ منها وضبطها. هذا إلى جانب التحكّم بالتهرّب الضريبي والذي بحسبنا ينسحب على بعض المحميات لكبريات الشركات والمؤسسات والمكلفين والمحسوبة على أطراف سياسية، مما يعيق عملية الإصلاح الإقتصادي المرتبط بتحلّل هذه الكارتلات، وبالتالي القضاء على منظومة الفساد والإفساد.
وهنا فلا مشاحة من القول من أن ما يحرّك الإقتصاد الليبرالي الحر وعلى وجهٍ عام هي قوى السوق المتمثّلة بعاملي العرض والطلب وليس غيرهما، ومنها تباعًا حركة النقد وعملية تثبيت أسعار صرف العملات فيه. وليس صحيحًا من أنها بفعل سياسة المصرف المركزي والذي يتّجه بمهامه إلى وضع السياسة النقدية ومنها إقرار أسعار الفائدة وبما توحيه ويستنبطه من حركة السوق وما قد يشهده من عرضٍ وطلب. هذا إضافة إلى مهمته في ضبط حركية النقد بحيث يمنع من تعارض التداول بما لا يتوافق مع سير حركة الإقتصاد.
إن ما يفتقر له لبنان هو التجديد الدائم والمستمر لسياسته المالية والنقدية خصوصًا وأن حجم الودائع بالدولار الأميركي قد وصلت إلى أعتاب المئتي مليار دولار، بحيث يستطيع ومن خلال السياسات المتجدّدة من تحريك هذه الودائع في منظومة إقتصادية ضيقة بحجم مساحة لبنان، ما يسمح بإنعاش ونهضة عمليات التنمية الإقتصادية فيه. كذلك ما يقابل ذلك سياسة رشيدة في الإنفاقات الجارية والتي تستخدمها الحكومة خصوصًا إتفاقات السفر وتحديد الوفود والتي تصنّف بغير واقعها الرشيد، مما يستنزف ذلك السيولة الجاهزة لتفوق بذلك القدرات المالية، وبالتالي ما يتيح التساؤل حول الجدوى الإقتصادية المنظورة أو المتوقّعة من وراء تلك الإنفاقات الإهلاكية، خصوصًا ما تشهده الحالة النقدية من تقزّمٍ وتراجعٍ في تدفقات العملة الدولارية تحديدًا إلى داخل السوق المالي المحلي نتيجة تباطوء حركة تحويلات المغتربين اللبنانيين من الخارج والتي شهدتها الأسابيع الماضية، بحيث ومن المتوقع أن تنسحب أشهر عدّة. فهذه بحسبنا من إحدى التعقيدات والتحديات التي ستواجه الإصلاحات الإقتصادية فيما لو حصلت.
وهنا ما يدعو إلى الشك حول إحتفاظ المصرف المركزي اللبناني من العملة الدولارية كإحتياط في سلة عملاته الأجنبية والتي تدعم موقع الليرة اللبنانية. فقد سجل العام 2018 الماضي خروج ما يربو عن عشرة مليارات دولار ويزيد من السوق اللبناني مما أحدث فجوة أسفرت عن خللٍ وتراجعٍ في منسوب إحتياطياته من عملة الدولار وصلت إلى حدّ العجز في إعادة إستقطاب ما خسره منها، مما يجعل ذلك سببًا للتمسّك بالدولار والعمل على سحبه من السوق لإعادة تمويل المال الإحتياطي. ومن هذه المحاولات الإستقطابية إعادة تحفيز نمو الودائع بالدولار الأميركي وذلك برفع معدّلات الفائدة عليها لجذب ما يمكن جذبه. بالمقابل ما قد يسهم في زيادة ثقل الإلتزامات على المصارف تجاه أصحاب الودائع من جهة، وبالتالي زيادة الأعباء المالية الحقيقية عليها من جهة أخرى. مع العِلم أن ذلك إنما يسبّب إرتفاعًا في العبء المالي الذي تفرضه هذه الزيادة في رفع مؤشّر تكلفة خدمة الدَين العام الإجمالي على الخزينة اللبنانية.
هذا إلى جانب سلوكيات بعض المصارف المحلية التي حملت الظنون عند المراقبين والمودعين من إستحضار أزمة دولارية تتحضّر لتنساب إلى عمق السوق المالي المحلي حينما عمدت بعض هذه المصارف إلى تجميد بعض حسابات التحويلات بالعملة الصعبة وإلى التقنين من سحب الدولار وضخّه بالسوق رغم الطلب المتنامي عليه.
يتوضّح للمراقب ومن خلال ما تقدّم، أن الأزمة الدولارية التي تشهدها السوق المالية إنما يردّها البعض إلى سوء السياسات النقدية المتّبعة وإلى عدم وضوحها والتي بطبيعة الحال تنعكس بالسالب على الركيزة الأساسية لبنية القطاعات الإقتصادية كافة وإضعافها بشكلٍ عام.
وفي هذا ما بدأت التساؤلات تثار بعد بروز مشكلة سداد إلتزامات أصحاب محطات المحروقات للشركات المورّدة!.
فهل ستشهد الأيام المقبلة بروز مشكلات أيضًا في أسواقٍ أخرى كالدواء والقمح وبعض السلع الغذائية والإستهلاكية الضرورية كما وتلك المتمّمة لبعض الصناعات..، والتي بأغلبيتها العظمى يتم التعامل مع مورّديها الخارجيين بالدولار؟!.
علّنا نستخلص العِبَر من أزمة الرهون العقارية عام 2008 ونتائجها وآثارها، مع بعض الإجتهادات في علوم الجيوسياسية التي تحكم الواقع اللبناني!.