غيوم سياسية وأمنية داكنة فوق سوريا
09 كانون الثاني 2026
05:25
Article Content
صحيح أن سوريا خرجت من حقبة بعد سقوط النظام السابق قبل ما يزيد عن السنة، ولكنها لم تلِج مرحلة التعافي على ما كان منتظراً، فالشعب السوري ما زال يعاني من مشكلات عدة، وبعضه لم يتمكن من العودة إلى بلداته وقراه المُهدمة، بينما الغيوم السياسية والأمنية الداكنة تحوم في أجوائها، ربما لأنها تتمتع بخصائص جيوسياسية مهمة.
لعلَّ أبرز ما تواجهه حكومة سوريا الجديدة اليوم هو التحديات الأمنية والاستراتيجية، برغم وجود صعوبات معيشية وإدارية وقضائية تُتعِب الواقع القائم، وانسياب أعمال الدولة العادية ليس على أفضل حال. وقد تسارعت الأحداث منذ مطلع العام الجديد، بسبب نفاذ المهلة الزمنية التي كانت مقررة لتنفيذ مندرجات اتفاق 10 آذار/مارس الذي وقعه الرئيس أحمد الشرع مع قائد قوات سوريا الديمقراطية «قسد» مظلوم عبدي لدمج إدارة شمال – شرق سوريا بالإدارة المركزية، وخصوصاً إلحاق قوات «قسد» بالجيش العربي السوري، وهذا لم يحصل حتى الآن، وبوادر الانفجار تلوحُ في مدينة حلب.
ويبدو أن الصعوبات الشمالية الشرقية المُرشحة للتفاقُم؛ ليست الوحيدة التي تُربك الوضع في سوريا، فتحديات الساحل بعد الاعتراضات الشعبية التي ظهرت على أثر دعوة الشيخ غزال غزال كانت مؤثرة وواسعة، والراديكاليون في «قسد» يحاولون الاستفادة من هذه الأحداث لوقف مسار التفاوض بين عبدي وحكومة دمشق.
و يمكن اعتبار ما يجري في الجنوب السوري مُقلقاً للغاية أيضاً، ويسترعي اهتماماً كبيراً عند المتابعين، حيث يتمدَّد الاحتلال الإسرائيلي على أراضٍ جديدة استراتيجية في المنطقة، إضافة إلى العدوان ضد السكان، ويمنع أي تحرك عسكري لقوات الحكومة في المنطقة، بينما الوضع في محافظة السويداء مُضطرِب، وفصائل «الحرس الوطني» التي يقودها الشيخ حكمت الهجري والمدعومة من إسرائيل وقسد- تفرض سيطرة مشدَّدة على بلدات المحافظة، وتستغل الارتكابات الشنيعة التي حصلت ضد المدنيين في تموز/يوليو الماضي، لمنع أي تواصل بين أبناء المحافظة والإدارة المركزية، وهي طالبت بالانفصال عن حكومة دمشق. وجنوب سوريا يتمتع بأهمية جيوسياسية كبيرة في الإقليم، كونه ممراً لأهم خطوط التواصل والنقل من خلال الحدود الأردنية المفتوحة على الواحة الخليجية برمتها.
وما يزيد الإرباكات الأمنية أكثر فأكثر- هو حصول عمليات قتل وتفجير مشبوهة من قبل مجموعات قد تكون من مخلفات «داعش» الإرهابية، حصلت في تدمر وفي ريف حمص وفي ضواحي دمشق، وقد أُعلن عن قسم من هذه الأعمال، بينما بقي القسم الآخر طي الكتمان لأسباب أمنية - كما قالت السلطات المختصَّة – وهي اكتفت بالقول أنها أفشلت مخططات إرهابية كانت تستهدف احتفالات عيد رأس السنة الميلادية. وعمليات القصف التي نفذتها طائرات حربية أمريكية وبريطانية وفرنسية في منطقة تدمر الصحراوية، تؤكد وجود مجموعات مُتفلِّته لديها نوايا إجرامية في المنطقة المذكورة.
تحتاج سوريا الجديدة إلى العناية المركَّزة، وإلى دعم غير مشروط من قبل جيرانها والقوى الفاعلة. والتسهيلاتُ التي مُنحت لها من الإدارة الأمريكية والاتحاد الأوروبي – خصوصاً رفع العقوبات – ومن روسيا التي تتمتع بحضور عسكري وسياسي وازن في البلاد- غيرُ كافية إذا لم يضغط هؤلاء - وواشنطن بالتحديد - على الحكومة الإسرائيلية لوقف عملياتها العدوانية ضد سوريا، وكبح جماح تدخلها في الشأن السيادي السوري، وما نُشر من معلومات في هذا السياق؛ كافٍ لتأكيد هذه الوضعية غير السويَّة، وتقصير الإدارة الجديدة في أدائها بحماية بعض المكونات، أو بعدم نجاحها في منع عمليات تهريب، لا يعطي أي مبرر لإسرائيل بالتمادي في أعمالها العدوانية التخريبية.
الاحتضان العربي للإدارة السورية الجديدة كان كبيراً ومهماً، وقد بذلت بعض الدول العربية مجهودات لمساعدة دمشق في الآونة الأخيرة، بما في ذلك التوسُّط لفكّ العُزلة الدولية عنها، والجامعة العربية مطالبة بزيادة العناية بسوريا، لاسيما في مجال الضغط للجم التمادي الإسرائيلي ولوقف التدخلات الخارجية في شؤونها، ولتصويب بعض الاعوجاج في مسيرة الإدارة الجديدة، بحيث لا يُترك للمتطرفين، أو قليلي الخبرة بالشأن العام التحكُّم في مسيرة التعافي.
إعلان
يتم عرض هذا الإعلان بواسطة إعلانات Google، ولا يتحكم موقعنا في الإعلانات التي تظهر لكل مستخدم.






