"الكاوبوي"
06 كانون الثاني 2026
10:00
Article Content
كثيراً ما شاهدنا على الشاشة الفضية أفلاماً تعود بنا إلى الحياة الواقعية التي كانت سائدة في الولايات المتحدة في القرن التاسع عشر قبل التطور والعمران، وكان أبطال هذه الأفلام يمتطون الأحصنة ويزنّرون وسطهم بالمسدسات ويطلق عليهم لقب "الكاوبوي"، وكانوا بمعظمهم من غير الملتزمين بالقانون الذي لم يكن موجوداً أصلاً ويعيشون بالفعل في "حارة كل مين إيدو إلو".
لكن ما مارسه الرئيس السابع والأربعون للولايات المتحدة دونالد ترامب أثبت من دون أدنى شك أنه لا يزال يعيش عصر "الكاوبوي"، إذ أمر بتنفيذ عملية "إغارة" ليلية على دولة بعيدة عن حدود بلاده الجغرافية واختطاف رئيسها وزوجته واقتيادهما إلى نيويورك وزجهما في واحد من أسوأ السجون المعروفة في العالم، غير آبه لا بقانون ولا بمن يحزنون وكأنه "كاوبوي" العصر الحديث.
وبغض النظر عن الموقف من الرئيس الفنزويلي وخياراته السياسية والأدوار التي يتهم بأنه لعبها من حيث تسهيل تجاوز الجمهورية الاسلامية في إيران للعقوبات المفروضة عليها وتحويل بلاده إلى ساحة لعمليات "حزب الله" غير الشرعية ووقوفه بصلابة في المعسكر المعادي للولايات المتحدة، ناهيك عن تجارةالمخدرات، فإن العملية التي نفّذتها القوات الخاصة الأميركية بقرار ودعم وإشراف مباشر من ترامب، مخالفة لكل القوانين الدولية والأعراف المتبعة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ونشوء الأمم المتحدة، وأن يقرر ترامب تجاوزها فذلك يعطيه لقب "الكاوبوي" عن جدارة.
بعد عملية فنزويلا، بدأت المخاوف تسود أروقة دول "المحور" بكامله لدرجة أن رئيس وزراء العدو الصهيوني بنيامين نتنياهو حاول تقليد ترامب فأصدر تهديداً مباشراً إلى إيران مستنداً إلى تهديد ترامب نفسه الذي توعد طهران بالتدخل لمساندة الشعب الايراني الذي يثور احتجاجاً على الوضع الاقتصادي المزري الذي أوصلته إليه سياسات الثورة الاسلامية من حيث دعم أذرعها بمليارات الدولارات والتقنين القاسي على الشعب.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو هل يفي ترامب بما وعد به من حيث أنه لن يتورع عن التدخل في دول أخرى يرى أنها تقف عائقاً أمام طموحاته ومشاريعه الاقتصادية التوسعية؟ لقد توعد غرينلاند وأثار زوبعة شديدة من الاعتراضات الدنماركية، كما أرسل إشارات إلى كولومبيا جارة فنزويلا، من خلال اتهام رئيسها بأنه مشارك في عمليات انتاج المخدرات وتهريبها إلى أميركا، والسبحة قد تكر ويطمح إلى التدخل في دول أخرى عن طريق فرقة "دلتا فورس" التي كان لهوليوود دور كبير في الترويج لها من خلال الأفلام التي أنتجتها.
لكن ما يهمنا نحن في لبنان هو المستقبل القريب الذي ينتظرنا من خلال إسرائيل التي لن تتراجع وفقاً لتصريحات مسؤوليها العسكريين كما لتهديدات نتنياهو عن إزالة الخطر الذي يمثله "حزب الله" وترسانة أسلحته، وهل الضوء الأخضر الذي أشارت وسائل الاعلام العبرية إلى أن نتنياهو حصل عليه من ترامب لشن عملية حربية واسعة في لبنان سيدفعه إلى تنفيذ ما هدد به؟
لقد انتهى زمن المحاسبة الدولية وانهارت الأعراف التي سادت العالم منذ العام 1945 وظهر ذلك جلياً من خلال حرب الابادة التي شنها نتنياهو على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة من دون أي رادع فعلي، بل اكتفى العالم بموقف "المتفرّج" وإصدار بيانات الاستنكار والادانة، ناهيك عن الصمت المريب تجاه عملية "الكاوبوي" في فنزويلا.
عندما يقول الزعيم وليد جنبلاط أننا دخلنا في العصر الاسرائيلي، ويرفق هذا الموقف بصورة معبرة عن سلطة النفط في إدارة شؤون العالم، فإنه يصف بدقة الوضع العالمي الذي ساد وسيسود بوجود رئيس أميركي "مبتز" وخبير في الأعمال وإدارتها، وبوجود عدو متوحش مثل نتنياهو الذي يعتبر نفسه "ملكاً" يريد تكريس ما وعد به "مرشده" الأعلى بن غوريون الذي وضع حدوداً وهمية لاسرائيل تمتد من النهر إلى البحر.
إننا نتضرع إلى الله لكي يلطف بالقدر لا أن يرده.
إعلان
يتم عرض هذا الإعلان بواسطة إعلانات Google، ولا يتحكم موقعنا في الإعلانات التي تظهر لكل مستخدم.






