جديد التوتر بين واشنطن وبكين

العلاقة بين الولايات المتحدة والصين شابها حذر متبادل على الدوام، على الرغم من أن الدولتين العملاقتين تعتبران أكبر شريكين تجاريين على الإطلاق في العالم. ومنذ أن تولّى الرئيس دونالد ترامب مقاليد الحكم في واشنطن، أصبحت هذه العلاقة مثار جدال واسع، ودخل التوتر سِمة رئيسية على مسار هذه العلاقات؛ لأن ترامب هاله حجم الواردات الصينية إلى الأسواق الأمريكية، وما يسببه من خلل في الميزان التجاري بين البلدين، على الرغم من أنهما على خصومة سياسية.

والتخوف الأمريكي من سرعة النمو الصيني، ناتج عن المنافسة الصينية الواسعة في المجالات الصناعية والعسكرية، وفي مجال تكنولوجيا المعلومات، بينما كانت واشنطن تعتبر أن المزاحمين لها في هذه المجالات بعيدون مسافة كبيرة عن تحقيق التوازن معها، إلى أن فوجئ الأمريكيون بشركة «هواوي» الصينية تطرح معادلات جديدة في مجال تكنولوجيا التواصل والمعلومات، وصلت إلى حد الاستغناء عن «الداتا» الأمريكية الهائلة، وطرح بدائل دولية عن جوجل، بما يهدد التفوق الأمريكي في صناعة الأجهزة الهاتفية الذكية النقالة، وغزو الأسواق الأمريكية بالأجهزة الصينية الرخيصة الثمن.

جديد التوتر الصيني الأمريكي، مناورات بحرية عسكرية بين قوات أمريكية وقوات من عشر دول من جنوب شرق آسيا أعضاء في مجموعة «آسيان»، وهي تجري في بحر الصين الجنوبي، وتحديداً في المناطق التي تعتبرها الصين جزءاً من المياه الإقليمية الصينية، بينما تعتبرها الولايات المتحدة ممرات دولية مباحة أمام العموم. وبعض دول «آسيان» مثل الفلبين وماليزيا وفيتنام وبروناي، تعتبر جزءاً من جزر بحر الصين الجنوبي والمساحات البحرية المحيطة تخضع لسيادة هذه الدول، كل مقابل شواطئها.

ومن ظواهر التوتر الجديدة بين العملاقين؛ تفاقم الحرب التجارية المخيفة بينهما، وقد بدأت الولايات المتحدة منذ مطلع سبتمبر تطبيق سلّة من الإجراءات الضريبية الكبيرة، تشمل فرض رسوم جمركية على سلع صينية مختلفة، لا سيما أجهزة الاتصالات الحديثة والصناعات الكهربائية والأحذية والملابس والمواد الغذائية، خصوصاً الفواكه والخضار والحبوب المتنوعة. وقد وصلت نسبة الرسوم الجديدة على هذه السلع إلى 15% من قيمتها، وهي سلع تبلغ الصادرات الصينية منها إلى الأسواق الأمريكية ما يزيد على 125 مليار دولار، بينما هناك سلع صينية أخرى كانت تطالها الرسوم الأمريكية سابقاً، تصل قيمتها إلى 250 مليار دولار.

الصين ردت على الإجراءات الأمريكية العسكرية بالتحذير من مخاطر توتير الاستقرار في بحر الصين الجنوبي، وهو ما يهدد 40% من التجارة الدولية التي تعبر من تلك المنطقة، كما يُعرِّض الأمن الدولي للاهتزاز، وهي تتهم الولايات المتحدة بأنها تقف وراء التمرّد التايواني، وأنها تُشجع على التظاهرات المعارضة للصين في هونج كونج. وعلى الضفة الأخرى اتخذت الصين إجراءات ضريبية قاسية ضد السلع الأمريكية التي تدخل الأسواق الصينية، بما في ذلك فرض رسوم 5% على النفط الخام، وهي المرة الأولى التي تطال فيها الإجراءات الصينية هذه المواد. وتقدر قيمة الصادرات الأمريكية التي ستطالها الرسوم الصينية ب75 مليار دولار.

في الفلسفة الأمريكية لنتائج الحرب التجارية بين البلدين أن الاقتصاد الأمريكي سيتعرّض لخسائر، ولكن هذه الخسائر لا تقاس بحجم الخسائر الصينية التي ستؤثر في حجم النمو في الاقتصاد الصيني.

ارتياح الأسواق الأمريكية كان الدافع الأساسي وراء شجاعة ترامب على إطلاق المواجهة التجارية مع الصين، فقد بلغت الصادرات الأمريكية للخارج هذا العام أكثر من 1,5 تريليون دولار، وهذا يعتبر رقماً قياسياً لم يسبق الوصول إليه.

ولدى الصين أوراق رابحة يمكن أن تلعبها في مواجهة الهجوم الأمريكي المتصاعد، منها رفع كل القيود أمام صناعاتها، وتحريرها من الضغوطات التي تمارس عليها لاعتماد قوانين صارمة في مجال ضبط التقليد الصناعي، واحترام الملكية الفكرية. وفي المجال السياسي والعسكري تعتمد الصين على صداقة متينة مع روسيا وصلت إلى حد إعلان حلف سياسي وعسكري متماسك بعد زيارة الرئيس شي جين بينج إلى سان بطرسبورج ولقائه الرئيس فلاديمير بوتين في يونيو/ حزيران الماضي.