ميلاد لبنان تحت القصف.. هل فعلًا ابتعد شبح الحرب؟
26 كانون الأول 2025
10:32
Article Content
لم تكترث إسرائيل لرمزية الأعياد، وواصلت اعتداءاتها وخروقاتها وعمليات الاغتيال في لبنان، بل رفعت وتيرة غاراتها وانتهاكاتها تزامنًا مع يوم عيد الميلاد المجيد، منفّذة سلسلة استهدافات في قرى الجنوب والبقاع.
ولم يغادر الطيران الحربي والمسيّر الأجواء اللبنانية، بما فيها العاصمة بيروت والضاحية الجنوبية، طوال النهار، في وقت كانت فيه المناطق المختلفة تحيي الطقوس الميلادية وترتدي حلّة العيد، رغم الأوضاع الأمنية المتدهورة والتهديدات الإسرائيلية بالتصعيد في أي لحظة. وشكّل مشهد القرى الجنوبية، رغم الدمار الواسع، دلالة واضحة على هذا التحدّي.
شبح الحرب ابتعد؟
بالتزامن مع احتفالات عيد الميلاد، أكد رئيس الجمهورية اللبنانية، العماد جوزاف عون، بعد قداس عيد الميلاد في الصرح البطريركي في بكركي، أنّ شبح الحرب بات بعيدًا، مضيفًا: "أنا متفائل والأمور تتجه نحو الإيجابية، واتصالاتنا مستمرة مع الدول المؤثرة، خصوصًا الولايات المتحدة والدول العربية".
وردًا على سؤال حول حصر السلاح، أشار إلى أنّ "القرار اتُّخذ وسيُطبّق وفقًا للظروف".
وبدا تصريح عون واثقًا، وكأنه استبعاد لخيار الحرب الموسّعة الذي لوّحت به تل أبيب منذ أسابيع، رغم تزامنه مع اعتداءات واسعة على الأراضي اللبنانية. وتطرح تصريحاته تساؤلات حول مدى واقعيته وأي ضمانات دولية وعربية دفعت إلى تقديم هذه التطمينات، معبّرًا عن أمله بأن تكون "ولادة لبنان الجديد نهايةً للحروب وبدايةً للسلام".
انتهاكات واغتيالات
التفاؤل الرسمي اللبناني دحضه الميدان، حيث سُجّلت أربع عمليات اغتيال خلال يوم واحد استهدفت قياديين في حزب الله، إلى جانب عمليات رمي للقنابل وتمشيط بالرشاشات في عدد من القرى الحدودية، ما أسفر عن سقوط عدد من الجرحى.
وكان أبرز الاغتيالات في منطقة الناصرية، حيث أعلن الجيش الإسرائيلي استهداف حسين محمود مرشد الجوهري، زاعمًا أنه "من أبرز المنتمين إلى وحدة العمليات التابعة لفيلق القدس الإيراني (840)، وشارك في الأعوام الأخيرة بعمليات ضد إسرائيل في سوريا ولبنان".
وأشار الجيش الإسرائيلي إلى أن الجوهري "عمل تحت إمرة الحرس الثوري الإيراني"، وأن الوحدة 840 تُعتبر الوحدة المسؤولة عن توجيه العمل الإيراني ضد إسرائيل بقيادة أصغر باقري ونائبه محمد رضى أنصاري.
استهداف طهران
يحمل الإعلان الإسرائيلي عن استهداف حسين الجوهري في الناصرية دلالات سياسية وأمنية بارزة، إذ يشير إلى التصويب المباشر على الدور المستمر لإيران في لبنان. وصرّح الجيش الإسرائيلي بأنّه "ينظر بخطورة بالغة إلى أي محاولة لتنفيذ عمليات من قبل النظام الإيراني ووكلائه"، بالتوازي مع التقارير الإسرائيلية المكثفة التي تحدثت عن إعادة حزب الله بناء قدراته وطاقاته.
وتأتي هذه الخطوة عشية اللقاء المرتقب بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في فلوريدا في 29 كانون الأول/ديسمبر الجاري. وتشير تسريبات إعلامية أميركية وعبرية إلى أن نتنياهو يسعى لإقناع ترامب بتوجيه ضربة ثانية إلى إيران، بذريعة استمرار دعمها لحلفائها في المنطقة، بما في ذلك لبنان، وتصويبًا على برنامجها الصاروخي المتقدّم.
ويشكّل هذا اللقاء محطة مهمة لتحديد مسار التطورات في الشرق الأوسط، في ظل طموح نتنياهو بالحصول على الضوء الأخضر الأميركي في أكثر من ملف، من طهران إلى بيروت.
التصعيد مستمر
الحقيقة الوحيدة حتى الآن أنّ الكلمة لا تزال لآلة الحرب والتصعيد المستمر، ما يبطل أي تفاؤل تبثّه بعض القنوات اللبنانية الرسمية. ورغم التراجع النسبي في وتيرة الأحداث خلال الأسبوعين الماضيين، نتيجة رفع مستوى التمثيل اللبناني والإسرائيلي في لجنة مراقبة وقف إطلاق النار "الميكانيزم" والضغط الأميركي على إسرائيل لتجميد أي عملية واسعة في لبنان، إلا أنّ الانتهاكات اليومية لم تتوقف.
وتعلق أوساط سياسية على السؤال حول ما إذا كان خيار الحرب الموسّعة لا يزال مطروحًا بالقول: "لبنان أصلًا في حالة حرب مستمرة، وإلا فكيف يمكن تفسير الانتهاكات اليومية وحرية الحركة الإسرائيلية جوًا وبحرًا وبرًا".
ولا تُظهر المعطيات أي نوايا إيجابية لدى الجانب الإسرائيلي، الذي يبدو ماضيًا في مشروعه التوسّعي. ويبرز ذلك جليًا في طروحات المفاوض الإسرائيلي خلال اجتماعات الناقورة، لا سيما الحديث عن إنشاء منطقة اقتصادية عازلة في جنوب لبنان، وتعطيل جهود إعادة إعمار القرى الحدودية، وتقييد حركة الأهالي ومنع عودتهم إلى القرى عند الحافة الأمامية إلا بموجب تراخيص مسبقة.
العين على الجيش
وسط هذا المشهد المعقد، تتجه الأنظار إلى الدور الذي يقوم به الجيش اللبناني، مع الإعلان المرتقب مطلع العام 2026 عن إنهاء عملية حصر السلاح بشكل كامل في منطقة جنوب الليطاني.
ورغم التقدّم الذي أحرزه الجيش اللبناني، والذي اعترفت به "اليونيفيل" وعدة دول، تواصل إسرائيل تغوّلها اليومي في الأجواء اللبنانية، متفلّتة من رقابة آلية "الميكانيزم". هذا الواقع يبطل أي تفاؤل بإمكانية وضع حد للتصعيد المحتمل عبر المسار التفاوضي والدبلوماسي، الذي يحاول رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو توجيهه نحو الجانب الاقتصادي والسياسي، متجنبًا الجوانب الأمنية، بهدف فرض الإيقاع الذي يريده على أي تفاهم مرتقب.
اتصالات مكثفة
رغم دخول لبنان في عطلة الأعياد، لم تتوقف حركة الاتصالات المكثفة، في سياق مساع دبلوماسية مستمرة من عدة عواصم معنية، بهدف تهيئة الظروف المناسبة لإنهاء مرحلة حصر السلاح في جنوب الليطاني، والانتقال إلى مرحلة شمال الليطاني. لكن السؤال يبقى مطروحًا: هل تنجح هذه المساعي فعلًا في إبعاد شبح الحرب، أم أن التصعيد سيظل واقعًا قائمًا ينتظر ساعة الصفر فقط؟
إعلان
يتم عرض هذا الإعلان بواسطة إعلانات Google، ولا يتحكم موقعنا في الإعلانات التي تظهر لكل مستخدم.






