متي ستعود بنا إلى رحاب الوطن؟

20 أيلول 2019 09:56:00 - آخر تحديث: 20 أيلول 2019 09:59:26

يا سماحة السيّد،

أما ان لنا أن نتفاهم؟ 

أما ان لنا أن نضع نقاط المقاومة على حروف الوطنية؟ نحن يا سماحة السيّد جيلٌ طُبع على حب الوطن، والتضحية في سبيله  والبذل في سبيل قضاياه. 

نحن جيلٌ ولد بعد النكبة وقبل النكسة. فما أخذنا من دروس النكبة إلا (يا فلسطين جينالك تا نشيل حمالك)، وما استفدنا من عبرة ما سمّي نكسة حزيران إلّا (لا تقل ضاع الرجاء، إن للباطل جولة).

نحن جيل تنكّب القضية والبندقية، وصرف العمر في علاج كبوة حصان العرب، دون أن نلتفت إلى أن الحصان المكسور القدم دواؤه طلقةٌ في الرأس، وإلا بقي أعرجاً لا يصلح إلّا لإدارة النواعير. 

نحن جيل أدمنَ مخدّر الأمل رغم الألم. فكلّما جاءنا من ينقلب على من سبقه في الحكم باسم القضية، توسّمنا فيه منقذاً ومحرراً، فإذا به يقنعنا ان نحفر عميقا في قبر إنساننا، وحضارتنا، واقتصادنا، بحثاً عن كنزٍ غير موجود. 

نحن جيلٌ آمن بالبندقية فخذلته، وآمن بسقيا الأرض من الدم، فأثمرت له عوسجاً، وآمن بالشعر. 
(وطنٌ دعائمه الجماجمُ والدمُ   تتحطم الدنيا ولا يتحطمُ)...

فصار وطنه جماجم ودماء. 

نحن جيلٌ آمن بالوحدة طريقاً إلى النصر، فانتصر في معركة التفكّك والكيانية. 

سماحة السيّد، 

نحن لا ننكر عليك، في البدايات، رأب صدع عزّتنا المكسورة، وكرامتنا المهدورة. ولا نبخسك حقّك في إعادة ثقتنا بأنفسنا يوم استُبيح الوطن من العدو، وانتُهكت سيادته، واحتُلّت أرضه. ولا نشيح بأنظارنا عن شهداء التحرير. 

ولكن يا سماحة السيّد، 

أما آن لك، بما تمثّل ومَن تمثّل من أبناء هذا الوطن، أن تعود بِنا إلى رحابه. 

أما آن لنا أن نوصل إليك قناعاتنا بدون تهديدٍ بالتخوين، أو خوفٍ من اغتيالٍ أو اعتداء؟ 

أما آن لنا أن نحافظ على قمةٍ وصلتَ اليها لنمنع الانحدار عنها؟

إنه وطننا جميعا يا سماحة السيّد. 

كثيرون منا، يا سماحة السيّد، يتمنون أن تزداد منعة الوطن بتكافؤ قوة الردع مع العدو الصهيوني دون أن يُصرف فائض القوة في حسابات فئةٍ بعينها في الداخل، أو لمصلحة دولٍ في الخارج. 

بورِكَتْ يا سيّد، شهادة ابنك في سبيل التحرير والسيادةً، وقد أهديتَها إلينا إثباتاً لإيمانك بوطنك. ولكن لمن تُهدى أرواح الشهداء إذا سقطوا في صراع إرادات الأمم، وإذا كنّا لهذا الصراع وقوداً؟ 

من حقّك يا سماحة السيّد أن تؤمن بولاية الفقيه، وأن تُقنع بها من تريد، لكن دون أن تجعل منها قاطرةً للوطن إلى حيث لا يريد من لا يؤمن بها. 

الجوعى يا سماحة السيّد لا يستطيعون القتال. فَنارُ الحشا أشدّ إيلاماً من نار العدو. والوطن على شفير الجوع. 

والعطشى لا يروي ظمأهم سيفٌ مسلولٌ بيمينهم، بل قربةُ ماءٍ في يسارهم. والوطنُ على شفير العطش. 

والقابعون تحت خط الفقر لا تسترُ عوراتهم رايات الشعارات الخفاقة. والوطنُ تحت خط الفقر. 

يا صاحبَ العصرِ المقاوم، أما آن الأوان لنستثمر بالإنسان والعمران؟ 

أليسَ أجدى لنا، مع الحفاظِ على مكتسبات ردع العدو، أن نلتفت إلى الداخل لنبني إنساننا وأوطاننا، وننتصر في ذواتنا وعليها، قبل أن نتطلع الى اقتحام أسوار العدو، فقراء وعطشى وجوعى؟ 

ومَن قال إن معركة بناء الأوطان ومِنْعتها ليست جزءاً من حربنا مع العدو؟ 

يا سماحة السيّد، نحن جيلُ ما بين النكبة والنكسة، أصبحنا نشتاقُ إلى تحرير الوطن من عفنِ الداخل قبل أن نتطلع إلى الخارج . فهلّا لاقيتَنا إلى منتصف الطريق لنزرع معاً إنساناً، وحضارةً، ومجاراةً للعصر إلى جانب زرع القناعات بالحقِّ في فلسطين. 

حضرة المتوّجُ على عرش المقاومة، تاريخُ الصراع مع هذا العدو، وعلى ما تقول الكتب، سيطول حتى قيام الساعة. أفلا تعطينا فسحةً للعيش بين الأزلِ والأبد نداوي فيها جراحنا النازفة، ونصلحُ فيها حالنا، ونرمّم أوطاننا، أو نعيد بناءها للارتقاء إلى مستوى الصراع، علَّنا إذا ارتقينا نجدُ إلى النصرِ سبيلا؟