قراءة في كتاب كمال جنبلاط.. قيادة تاريخيَّةٌ ورؤيةٌ مُستقبليَّةٌ
05 كانون الأول 2025
07:24
Article Content
الكمالُ هو الجوهرُ العقليُّ، والنَّفسُ هي الجوهرُ العقليُّوالرُّوحانيُّ على السَّواءِ، وهو إذ ذاك يُدرِكُ المعقولاتِ والكُلِّياتِوتالياً يُدرِكُ ذاتَهُ.
فاللهُ واجبُ الوجودِ، ومَا عداهُ ممكنُ الوجودِ، بَحَسَبِ مُنطلقاتِالفيلسوف ابن سينا، حول النَّفسِ والصورةِ، وخاصةً حول مسألةِ الفيضِ الإلهيِّ.
ويتَّخذُ ابن سينا، من هُنا، الكمالَ الحاصلَ في ذاتِ المُدرِك إمكانيَّةَ تحقيقهِ للَّذةِ. إلاَّ أنَّ هذا الكمالَ يُحقِّقُ المنفعةَ والخيرَ. يقولُ: "كُلُّ مُستَلِذٍّ بِهِ فهوَ سببُ كمالٍ يَحْصَلُ للمُدرِك. وهو بالقِياسِ إليهِ خير".
ويتكلَّمُ التصوُّفُ على حقيقةِ الألوهيَّةِ، وحقيقةِ الوُجودِبمادِّيتِهِ وروحانيَّاتِهِ، وحقيقةِ الانسانِ ومركزهِ من الوُجودِ، حتَّى صلتُه بهذا الكونِ وما وراءَه، وغايتُه مِن هذه الحياةِ ودورُهُ فيها. إذ يدخُلُ التصوُّفُ في أعماقِ النَّفسِ الانسانيَّةِ مُختبراً أحاسيسَها ونواياها ومشاعِرَها وخواطرَها وقلقَها الوجوديّ. تسمعُ كمال مُنشِداً:
"يا حبيبي فِداك قلبي وعيني"
يقومُ تعبيرُ المُعلِّم كمال جُنبلاط على نداءٍ مِن مُريدٍ إلى حبيبٍ له، والمُتجلِّي هنا بالأسمى (وهو الله)؛ أمَّا جوهرَ النِداءِ فيظهرُ في التأكيدِ على "فِداك قلبي وعيني" حتَّى الشهادةِ. مُتابِعاً:
"يا حبيبي أنا نورٌ مِن نورٍ نَسَجَتهُ يدُ الكواكب
فيا حبيبي، اِحْصِدْ سنابِلَ النُّورِ".
فالسِّياقاتُ الدَّلاليَّةُ في هَذا التشكُّلِ الشِّعريِّ، تنزاحُ عن صورةٍ نمطيَّةٍ في التعبيرِ، وتنزاحُ الصيغةُ التعبيريَّةُ عن مسارِهَا التقليديِّ، بِما يؤهِّلُ مُستقبِلَ بعضَ ما فيها من تراكيبَ إلى فَهمِها ضِمنَ سياقاتٍ دلاليَّةٍ جديدةٍ. يصرِّحُ كمال جنبلاط:
"أنا نورٌ مِن نورٍ"
لفظة "النُّور" ههُنا تُدخِلُ المُتلقِّي في حالتي "التَفكُّرِ والتساؤلِ" اللتين تفضيانِ إلى بلورةِ فِكرةِ الاتِّحادِ مع الذَّاتِ أو حتَّى مع الكونِ ولربَّما مع الكينونةِ الكُبرى.
ينمازُ كمال جُنبلاط بنظرتِهِ الشمُوليَّةِ إلى الحياةِ، وهذا التصوُّرُ نابعٌ مِن العقيدةِ الَّتي آمنَ بها والَّتي تجمَعُ بين عالمِ الشهادةِ والغيبِ، والوجودِ والعدمِ؛ إنَّهُ فردٌ موهوبٌ بوعيٍّ حُرٍّ.
فالنداء في (يا حبيبي)، يُمكن أن يتحوَّلَ إلى مجالٍ آخر في سياقٍ تعبيريٍّ مُعيَّنٍ، كما يمكِنُ أن يكونَ دعوةً للبِدءِ بعملٍ ما وانجازِهِ؛ (اِحصِدْ سنابل النُّورِ) فقد حانَ موسمُ حصادِ _ العُمرِ، وهو حتماً ليس نهاية وجودِهِ الدنيويِّ.
يتبيَّن أنَّ صورةَ "الحصاد" ههُنا (تشي بصورةِ جني القمح)، غيرَ أنَّها ترميزٌ لقِوى الخَيرِ والأعمالِ الصَّالحةِ والحَسناتِ في النَّفسِ الخيِّرةِ.
علماً أنَّ كمال المُتنوِّر (شاعريَّاً)، يدفَعُ مُتلقيهِ للتركيزِ على مفهوميَّةِ هذا التشكُّل _ أي الصورةُ الفنيَّةُ وما يُحيطُها من عالمٍ روحانيٍّ _ صُوفيٍّ دَفينٍ، والَّتي لا تتجلَّى وِفقاً لصراعٍ حتميٍّ بين الرُّوحِ والمَّادةِ، لا بل هي استسلامٌ كُلِّي للنشوةِ الصُّوفِيَّةِ فيه، و تَوقِهِ المُلِحِّ للاتِّحاد مع الكُلِّي عَبر فاعليَّةِ حضورِ الحُب الأسمى في كيانِهِ ووجدانهِ، يُصرِّحُ:
"أُحبُّكَ مولاي، حُبَّاً يُحطِّمُ قيدَ الالهِ، وقيدَ العبيدِ"
يَستفيضُ كمالُ المُتصوِّفُ بالحديثِ عن تجرُبتِهِ الايمانيَّةِ باللهِ، نتيجةَ تأمُّلاتِهِ في الانسانِ والكونِ والحياةِ (بما تحويهِ مِن الخيرِ والجمالِ والسَّعادةِ والكمالِ)، جامِعاً بين الظاهرِ والباطِنِ والمَّاديِّ والرُّوحانيِّ، والواقعِ والمُتخيَّل.
وفي هذا المقام، يُعبِّرُ ابن القيم بقوله: "أصلُ كُلِّ خيرٍ وسعادةٍ للعبدِ، بل لكلِّ حيٍّ ناطقٍ: كمالُ حياتِهِ ونورِهِ، فالحياةُ والنُّورُ مادةُ الخيرِ كلِّه..."، والَّتي تُخلِّصُهُ من كُلِّ مُنذلقٍ أو حَيرةٍ أو تيهٍ؛ فالحياةُ الدنيويَّةُ موضِعَ اختبارٍ وحِساب.
لذلك، يتحدَّدُ الادراكُ الجماليُّ والصُّوفيُّ لدى كمال جُنبلاط وِفقَ قُدرتِهِ على توفيرِ مُتعةٍ لشُّعُورٍ بالرِّضا، على اعتبارهِ مُدرِكِ الجمالِ، وذلك عبر المُلاءمَةِ والتوافُقِ بين الموضوعِ والحَّاسة المُدرَكَةِ لهُ، بما يُحَقِّقُ شعوراً بنوعٍ من اللَّذةِ وِفقاً لنوعِ الحَّاسَّةِ.
وكمالُ المتواطئ حتَّى الثُمالةِ باتِّحادِهِ مع الطبيعةِ، تسمعهُ يقول:
"أيَّتُها الأمواجُ الراقصة توقفي!
واِصغي إلى صوتِ حبيبي"
ها إنَهُ يستدعي في هذين البيتين مشهديةَ "الأمواج الراقصة" يدعوها عبر فاعليَّة الأمر أن تُوقِفَ حركيتَها: "واِصغي إلى صوتِ حبيبي". فكُلُّ شيءٍ في الوجودِ يدُلُّ على صانِعِهِ ويَشهَدُ بوحدانيتهِ تعالى ويُمجِّدهُ.
فـ "على الرُّغمِ مِن أنَّ الفَّنَ يمتلِكُ القدرةَ على توليدِ الجمال، وأنَّ الإحساسَ بالجمالِ، وكذلِكَ الإحساسَ باللَّذةِ والمُتعةِ شيئانِ مُصاحِبانِ لعمليَّةِ التذوُّقِ وعمليَّةِ الابداعِ على السَّواءِ، فإنَّهما ليسَا شرطاً لوجودِهِ أو تَحقُّقِهِ".
غير أنَّ كمال ينهجُ مسلَكَ "الاِمام الغزالي" الَّذي يُؤكِّدُ على المُمازجةِ بين (الأخلاقِ والجمالِ) وعدم افتراقِهما، ذلك أنَّ الجمالَ لا يقتصرُ مثلاً على شكلِ الجسدِ ظاهرياً بل ويشملُ السُلوكَ الأخلاقيّ له. فأيُّ قُصورٍ في "تكشُّفِ" أحدهِما ينتقصُ من مُستوى "التكشُّفِ الجماليِّ الكُلِّيِّ"، بما يشتمِلُ عليهِ اقترانُ الجمال الشكليِّ بالجمالِ الباطنيِّ، ممزوجاً بروحِالحُريَّةِ والعدالةِ والعلمنةِ والشموليَّةِ.
لا يفيدُ _ يُورد كمال_ أن "نكسبَ العالمَ وأن نخسَرَأنفُسَنا"، مِن هُنا، "من هذا التوجُّهِ والادراكِ للانسانِ التَّاريخيِّ، وللانسانِ الحقيقيِّ فينا، أن لا نُهمِلَ التُراثَ الرُّوحيِّ والمعنويِّ والخَلقيَّ المُهذب والمستعلي بالانسان، والذي تحقَّق عبرَ التَّاريخ"، فنحنُ "لا نزال على نهجِنَا وعاداتِنَا، نُلبِسُ الحقائِقَ الاجتماعيَّة والسياسيَّة، ومنها الإديولوجيَّة، ثوبَ الأصنام".
بذا، لا يختلفُ كمال عن كروتشيه الَّذي جعلَ "المضمونَ" نقطةَ البِدءِ الَّتي تتفرَّعُ منها التجرُبةُ والحقيقةُ التعبيريَّةُ أو الفنِّيَّةُ؛ فللمضمونِ قيمةٌ لا يكتسِبُها إلاَّ مِن خِلالِ العملِ نفسهِ"؛ بيدَ أنَّ"العاطفةَ أو الحالةَ النفسيَّةَ ليست مضموناً خاصَّاً، وإنَّما هي الكونُ كلُّه منظوراً إليهِ مِن ناحية الحَدس"؛ فيستنتجُ تالياً بأنَّ الجمالَ ليس إلاَّ القيمةُ المُحدَّدةُ للتعبيرِ وبالتالي للصورةِ.
ويورد اللُّغوي اللبناني أنَّ اللغةَ " ترجمانُ الأفكارِ بين المُتكلِّمين، والمُوصِلُ الَّذي تُنقَلُ عليهِ القوَّةُ الفكريَّةُ إلى أذهانِ السَّامعين"؛ بينما يشرحُ الباحثُ الفلسفيُّ أن "لا صميمَ للوجدانِ بدونِ لُغةٍ"، و"هي الوجدانُ بعينِهِ".
ويستفيضُ المُستشرق الفرنسي لويس ماسينيون بقولِهِ: "وباستطاعةِ العربِ أن يُفاخِروا غيرَهم مِن الأُممِ بمَا في أيديهمِمِن جوامِعِ الكَلِم الَّتي تحمِلُ مِن سُموِّ الفِكرِ وأماراتِ الفتوَّةِ والمروءَةِ ما لا مثيل لَهُ".
من هُنا ينطلقُ كمال جُنبلاط، مِن ترسيخٍ لجذورِهِ في الُّلغةِالعربيَّةِ تدعيماً لثقافتِهِ التنويريَّةِ والمُجتمعيَّةِ _الانسانيَّةِ والسياسيَّةِ_ الاستشرافيَّةِ؛ فهو المُشتغِلُ بالفِكَر يستندُ إلى ما للغةِ العربيَّةِ مِن لينٍ ومرونةٍ ما يمكِّنانِهَا مِن التكيُّف وِفقَ مُقتضياتِ العصر، مُمعِناً يغرِفُ مِن مَعينِ العربيَّةِ الفصحى_تلك الُّلغةُ القوميَّةُ_ ومِن تُراثِهَا العربيِّ الأصيلِ. تلك الُّلغةُ التي فاقت أخواتَها بكثرةِ مضامينِهَا، وجودةِ مُفرداتِهَا والتداوليَّةِ فيهَا، وبدِقَّةِ معانيهَا وحُسنِ نِظامِ مبانيهَا، ومطواعِيَّتِها، فبقيت حافظةً لكيانِهَا مِن كُلِّ شائبةٍ إلى حدٍّ بعيدٍ.
فـ كمالُ المِعْطَاءُ، المُحبُّ لـ "وجه الحبيب" بـ "آفاقٍنُورانيَّةٍ"، يصرُف جَهْدًا فِي "السَّلام"، ويغورُ غارِفاً مِن مَعين "فرح"، مُتبحِرًا فِي "لبنان والجسرِ الوطنيِّ المقطوعِ"، وَهُوَ لَا يَتَوَانَى عَنْ الخَوْضِ في "حقيقةِ الثورةِاللبنانيَّة"، وَحُكماً لَا يُعرِضُ عَنْ دِرَاسَتِهِ لـِ "نحو صيغةٍ جديدةٍ للديمقراطيَّةِ الإجتماعيَّةِ والإنسانيَّةِ"، وَلَا عَنْ "فلسفةِ العقلِ المُتخطي فلسفة التغيير (الجدليات)"، فـ "بين جوهرِ الإبداعِ ووحدةِ التحقُّقِ" تَأْتِيَ دراستُه "نحو إشتراكيَّةٍ أكثر إنسانيَّةٍ" لِتُضْفِيَ تفسيراً واجتهاداً على "رُبعِ قرنٍ مِن النِّضالِ". كمالُ العَارِفُ بِفُنُونِ القَوْلِ وَالتَّعْبِيرِ والتَّوصيلِ عَبْرَ فَاعِلِيَّةِ التَّرْمِيزِ، يكتب أيضاً بالفَرَنْسِيَّةِ Pour UnSocialisme Plus Humain، وَالأَنْكلِيزِيَةِ I Speak for Lebanon.
إِنَّهُ صَاحَبَ فلسفة التكشُّفِ والالتزام والانعتاق. رسالتهُ المَحَبَّةُ اللا مُتَنَاهِيَةِ، نورانيُّ التوجُّهِ، نابِضٌ بِالحَيَاةِ وَالتَّعَقُّلِ وَالاِنْصِهَارِ.
فـ كمال جُنبلاط في قيادتِهِ التَّاريخيَّةِ ورؤيتِهِ امُستقبليَّةِ، يبني جُسورَ الترابُطِ المُجتمعيِّ والانسانيِّ والقِيَميِّ والسِّياسيِّ والثقافيِّ والكونيِّ، مِن خلالِ _ بحسب تعبير شوبرا _ "بناءِ الذَّاتِ الَّتي تتطابَقُ مع ذاتِكَ الحقيقيَّةِ هي الطريقةُ الأكثرُ إبداعاً للعيشِ".
إعلان
يتم عرض هذا الإعلان بواسطة إعلانات Google، ولا يتحكم موقعنا في الإعلانات التي تظهر لكل مستخدم.






